السيد عبد الأعلى السبزواري

165

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

وهذه الآية الشريفة ونظائرها تبيّن فساد عادة من عادات الناس التي جرت على أن من اطلع على شيء من كتاب ما ، يدّعي الاطلاع على جميع ما ورد فيه والإحاطة به ، مع أنه ربما لم يصل إلّا إلى جزء منه ، ولم يدرك مفاهيمه العرفيّة فضلا عن دقائقه العلميّة ، هذا في الكتب المؤلّفة فضلا عن الكتب الإلهيّة النازلة من السماء على الرسل والأنبياء ، التي قال فيها : ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، وقد وعد اللّه تعالى أن يعلمها المتّقين من عباده ، قال تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [ سورة البقرة ، الآية : 282 ] . قوله تعالى : يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ . مادة ( دعو ) تأتي بمعنى استدعاء الشيء سواء كان بالخير أم الأمر أم بنحو آخر وهو كالنداء ، وقد يستعمل كلّ منهما في موضع الآخر ، وهي من المواد التي كثر استعمالها في القرآن الكريم ، ولعلّ من ألطفها قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [ سورة الأنفال ، الآية : 24 ] ، ومن أشدّها هيبة وتسخيرا قوله تعالى : خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ [ سورة القمر ، الآية : 7 ، 8 ] ، وفي الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه وآله : « يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الاكلة على قصعتها » ، وعنه صلّى اللّه عليه وآله : « مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم ، مثل الجسد إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » . والكلمة مستعملة في جميع العوالم الإمكانيّة والنشآت الربوبيّة ، فاللّه تعالى هو مبدأ الدعوة إلى الحقّ في تمام النشآت ، وإليه ختمها في جميعها ، فهو الحقّ المحض ومظهره ومظهره . وكتاب اللّه هو القرآن العظيم المشتمل على حقائق واقعيّة وتشريعيّة ، التي جعلها عزّ وجلّ لتنظيم النظام الأحسن في الدنيا والآخرة ، وقد قامت الحجج الكثيرة على أنه منزل من اللّه تعالى .