السيد عبد الأعلى السبزواري
15
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
قوله تعالى : وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ . مادة ( نقم ) تدلّ على إراءة الكراهة ، سواء كانت باللسان أم بالعقوبة ، وهي كثيرة الاستعمال في القرآن الكريم ، ولا تدلّ المادة بشيء من الدلالات على أن يكون الانتقام للتشفّي ، كما هو الدائر في انتقام الإنسان ، فإن اللّه تعالى أعزّ جانبا وأبعد ساحة من أن ينتفع أو يتضرّر بشيء من أعمال عباده . ولكن منشأ الانتقام يكون فيهم ( أي المنتقم منهم ) ، ويقوم بهم قيام الصورة بالمادة ، وبينهما تلازم ، ولا يعقل انفكاكهما إلا في فرض الوهم . والمعنى : أن اللّه قوي شديد نافذ في إرادته ، منيع الجانب لا يرضى بأن تهتك محارمه ، ينتقم ممّن خالفها وأعرض عنها . وما ورد في هذه الآية الشريفة معلول آخر للحياة الحقيقيّة - من كلّ جهة - والقيومية المطلقة ، ولا معنى لهما إلا إيصال كلّ ممكن إلى ما يليق به ، بعد بسط العدل والإحسان والرحمة والعفو والغفران . قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ . معلول آخر للحياة الحقيقيّة والقيوميّة المطلقة ، فإن وحدة الحيّ القيوم تستلزم الإحاطة المطلقة ، وأن لا يخفى عليه شيء ممّا سواه ، وإلا كان خلفا ولا يعقل غفلة العلّة - العليم الحكيم - عن معلوله . ويصحّ أن يكون ما ورد في هذه الآية الشريفة كالعلّة ، أي : لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فهو الحي القيوم . وإنما قدّم تعالى الأرض على السماء لقربها إلى أذهان المخاطبين وانسهم بها ، وإرشادهم إلى أن أرضهم - التي يفعلون فيها ما يفعلون - تحت إحاطته الفعلية . ويستفاد من هذه الآية الكريمة أن معنى العلم فيه تبارك وتعالى يرجع إلى أمر سلبي ، أي : لا يخفى عليه شيء لقصور العقول عن درك علمه بالمعنى الاثباتي ، لقصورها عن درك ذاته ، ويدلّ على ذلك أخبار كثيرة .