السيد عبد الأعلى السبزواري
117
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وجريان الأنهار من تحت الأشجار إنما هو لأجل تماميّة بهجة الجنّات وازدياد رونقها ، وكون الجنّات كذلك من أجلى مظاهر الفرح والانبساط ، لا سيما إذا استيقن الإنسان بدوام تلك النعمة ، ولذا عقّبها بقوله تعالى : خالِدِينَ فِيها ، لتماميّة النعمة ، بخلاف نعيم الدنيا . ولجريان الأنهار أنواع كثيرة : منها ما إذا كان منبع الأنهار من غير تحت الأشجار ، ومنها ما إذا كان المنبع من تحتها ، ومنها ما إذا كان نزول الماء من الفوق في الأنهار ثم الجريان منها صاعدا ( على نحو الفوارة ) بالقدرة الأزلية الخلّاقة إلى غير ذلك ، وبالجملة أن هذه الجنّات تشتمل على جميع اللذائذ بأعلى مراتبها . والأزواج المطهّرة هي تلك الأزواج التي يرغب إليها الإنسان ، التي تكون طاهرة من جميع الرذائل ومبرّأة من كلّ عيب وذم ونقصان ، خلقا وخلقا بما يلائم طبع الإنسان ، فهي في غاية الملاحة والبشاشة والسرور ، وفي ذلك تمام النعمة . وقد خصّ اللّه تعالى الأزواج بالذكر من بين سائر اللذائذ الجسمانيّة ، لأن النساء أعظم المشتهيات النفسانيّة ، والوقاع من أشدّ اللذائذ عند الإنسان . قوله تعالى : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ . الرضوان بكسر الراء أو ضمها من الرضا مصدران ، وهو ملائمة الشيء لنفس صاحبه وسرورها به . وقد تكرّرت مادة ( رضى ) في القرآن الكريم بهيئات شتّى تبلغ سبعين موردا ، وقد ينسب الرضا إلى اللّه عزّ وجلّ ويراد به عناية خاصة غير محدودة بأي حدّ من النعم المعنويّة ، بلا فرق بين أن يكون رضاؤه تعالى بالنسبة إلى أفعال العباد وطاعتهم له عزّ وجلّ ، أو صفاتهم وأحوالهم ، أو بالنسبة إلى أمر آخر يتعلّق بهم ، قال تعالى : رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ [ سورة الفتح ، الآية : 18 ] ، وقال تعالى : وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [ سورة المائدة ، الآية : 3 ] ، وقال تعالى : وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [ سورة الزمر ، الآية : 7 ] . وقد ينسب إلى العبد ، وهو آخر مقامات العبوديّة الخالصة الذي هو التخلّق