السيد عبد الأعلى السبزواري

11

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

كما أنها تشترك في بيان مكارم الأخلاق وما يرتفع به الإنسان إلى أعلى الجنان وما ينزله إلى حضيض الحيوان ، وتشترك في بيان المستقلّات العقلية ، كجنس الإحسان وقبح الظلم ، وبيان جملة من التكوينيّات والطبيعيات . إلا انها تختلف في بعض الفروع العملية الذي يقتضيه السير التكاملي الإنساني الذي تنوط به المصالح التشريعية ، وهذه كلّها أصول نظام التشريع التي لا بد وأن تجمعها جميع كتب السماء . وبعبارة أخرى : أن الوحي السماوي بالنسبة إلى أنبياء اللّه تعالى واحد بوجود نوعي ، والتوراة والإنجيل والقرآن من أفراد ذلك النوع ، كما أن الإنسان واحد نوعي له أفراد كثيرون ، فيصحّ لنا تأسيس قاعدة كلّية وهي الاتحاد في الكتب السماويّة ، ولكن القرآن مظهر لجميعها ، فما كان منها موافقا للقرآن يكون صحيحا ومعتبرا ، وما كان مخالفا له يردّ علمه إلى أهله ، إلا إذا ثبت بدليل معتبر جهة المخالفة ، والأدلة القطعية التي أقاموها على نسخ القرآن هو إنما يكون بالنسبة إلى الجهات المخالفة ، لا المساواة والموافقة التي هي مقتضى الأصل والقاعدة فيها . والآية الشريفة وان دلّت على صحّة نسبة التوراة والإنجيل إلى اللّه تعالى ، ولكن لا بد أن تكون في الجملة ، لا على نحو الكلّية والمجموع ، لدلالة آيات أخرى على وقوع التحريف فيهما ، قال تعالى : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [ سورة المائدة ، الآية : 13 ] ، وقال تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ [ سورة المائدة ، الآية : 15 ] . قوله تعالى : وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ . التوراة لفظ عبراني ومعناها الشريعة ، وتطلق على العهد القديم المتكوّن من أسفار موسى الخمسة ، التي يسمّيها اليهود بالناموس ، وهي : سفر التكوين ، وسفر التثنية ، وسفر الخروج ، وسفر اللاويين أو الأحبار ، وسفر العدد . وقد وقع الخلاف بين المؤرّخين في صحة نسبة التوراة الموجودة بين أيدينا إلى موسى عليه السّلام ، ولا يزال