السيد عبد الأعلى السبزواري

76

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

واللّه تعالى أصلح هذا الأمر الفطري بما هو صلاح لكم فإنّ الشرايع الإلهية تراعي الميول الفطرية ولا تحطمها وإنّما تضبطها وتهذبها حتى تستقيم معها الحياة السعيدة الصالحة للبشرية ، فرخص لكم التعريض بهنّ وإخفاء الرغبة في نكاحهنّ دون ذكرهنّ باللسان حفظا للآداب وصونا لجرح المشاعر لأنّ الدين دين الفطرة . قوله تعالى : وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا . السر معروف وهو مقابل الإعلان أو الجهر قال تعالى : لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ [ النحل - 23 ] ، وإنّه من صفات ذات الإضافة وله مراتب كثيرة حتّى إنّه يمكن أن يكون شيء واحد سرّا من جهة وجهرا من جهة أخرى . وهو عام يشمل الجماع والزواج ، وقيل : إنّ المراد به الجماع واستشهد بقول امرئ القيس : ألا زعمت بسباسة اليوم أنّني * كبرت وأن لا يشهد السر أمثالي وقول الأعشى : ولا تقربن جارة إنّ سرها * عليك حرام فانكحن أو تأبدا ولكن تقدم مرارا أنّ غالب هذه الإطلاقات ، بل جميعها من باب اشتباه المصداق بالمفهوم وليس من متكثر المعنى في شيء . والمعنى : لا تواعدوهنّ على الزواج أو الرّفث وما يرجع إليهما وعدا صريحا في السّر ، فإنّ ذلك خلاف الحشمة ، ومظنة للفتنة بخلاف التعريض بالخطبة فإنّه لا بأس به . قوله تعالى : إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً . أي : إلّا أن يكون ما وعدتموهنّ في السّر موافقا للمعروف والحياء والحشمة والأدب بحيث لو كان ذلك في العلن لما كان فيه عيب ولا يستحيى منه .