السيد عبد الأعلى السبزواري

43

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

إمساك المرأة بالرجوع إليها أو تركهنّ على حالهنّ حتى تنقضي عدتهنّ كلّ ذلك بمعروف في معاملتها من النفقة والمهر من دون إضرار بهنّ في شيء من ذلك . قوله تعالى : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا . تأكيد لما سبق ، ونهي عن الرجوع بقصد الإضرار أي : ولا تراجعوهن تريدون بذلك إضرارهنّ وإيذائهنّ لتعتدوا عليهنّ بالاستيلاء على أموالهنّ وغيره كما كان يفعل في الجاهلية . والضّرار : مصدر إما نائب عن المفعول المطلق أي : لا تمسكوهنّ إمساكا أو مفعول لأجله وهو الأصح . قوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ . بيان لوجه حكمة النّهي أي : ومن يمسك بقصد الإضرار فقد أوقع نفسه في الهلاك والتعب والغضب الإلهي بمعصية اللّه وخرج عن جادة الصواب وانحرف عن الفطرة الإنسانية ، بل حرّم على نفسه سعادة الحياة . والرجوع بالمعروف رجوع إلى تلك السعادة فإنّه وصل واجتماع بعد الفصل والانقطاع . قوله تعالى : وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً . مادة ( الهزء ) تأتي بمعنى الخفة والاستخفاف والاستهزاء ، وهي كثيرة الاستعمال في القرآن وغالبها من المخلوق بالنسبة إلى اللّه عزّ وجل وبالنسبة إلى أنبيائه ورسله قال تعالى : وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [ الحجر - 11 ] ، وقال تعالى : وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [ الزخرف - 7 ] ، وقال تعالى : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [ الأنعام - 10 ] ، وكذا بالنسبة إلى آيات اللّه تعالى وأحكامه المقدّسة قال تعالى : وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً [ الكهف - 56 ] ، وقال جلّ شأنه في شأن أهل النار : ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ