السيد عبد الأعلى السبزواري
73
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
أخرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل ، وأجزل لعطاء الآمل ، وربما سألت الشيء فلا تؤتاه وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا ، أو صرف عنك لما هو خير لك فلربّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله وينفى عنك وباله ، والمال لا يبقى لك ولا تبقى له » . وعن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) : « قال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) قال اللّه عز وجل : من سألني وهو يعلم أنّي أضرّ وأنفع استجبت له » ، وذلك لأنّ إجابة دعاء الداعين لا بد أن تكون على طبق الحكمة البالغة والعناية التامة المحيطة بالحقائق كلياتها وجزئياتها لا على طبق مشتهيات الداعين والسائلين ، قال تعالى : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ البقرة - 216 ] . فإنّ الإنسان كثيرا ما يهتم بشيء حتى إذا ما تحقق وجده ضارا أو يكره شيئا حتى ما إذا تحقق وجده نافعا ، وهذا وجداني محسوس لدى كل فرد فالدعاء بما يتخيله الإنسان أنّه نافع شيء وما هو الواقع الذي في علمه تعالى شيء آخر . فإنّ التسرّع في إجابة الدعاء وقضاء الحوائج بلا تأمل في اللوازم والملزومات والآثار نقض في الحكمة وهو محال بالنسبة إليه تعالى . نعم نفس الدعاء والمسألة من سنن العبودية ولا بد من تحققها من العبد ، وأما الاستجابة فهي منوطة بالحكمة البالغة والعلم الأزلي . الرابع : أن يكون المراد خيرا ممكنا بأن لا يكون من المحالات الذاتية أو العادية ، ومما لا نفع له أو مما يضرّ بحال الآخرين ، أو نهى عنه الشارع ونحو ذلك ، فإنّ مثل هذا الدعاء مما لا يستجاب وذلك لأنّ اللّه تعالى : « أبى أن يجري الأمور إلا بأسبابها » . وقد تقدم في أحد المباحث السابقة أنّ المستحيلات وإن كانت تحت قدرته تعالى ولكنّه عز وجل لم يفعلها لاستلزامه نقض الحكمة ، ففي الحديث عن علي ( عليه السلام ) : « اثنوا على اللّه عز وجل وامدحوه قبل طلب الحوائج يا صاحب الدعاء لا تسأل ما لا يحل ولا يكون » . وفي الكافي عن أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) : « لا تمل من الدعاء