السيد عبد الأعلى السبزواري
53
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
الثانية : عبد الإيجاد يعني خلقهم للعبودية والخضوع له تعالى ، كما في قوله تعالى : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [ مريم - 93 ] . الثالثة : المخلصون من عباده تعالى الذين لهم مع اللّه جل جلاله حالات ، وله عز وجل معهم عنايات ، ولهم في القرآن قصص وحكايات ، وهم الذين استثناهم الشيطان عن غوايته فقال تعالى حكاية عنه : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ ص - 83 ] ، لأنّهم اتخذوا اللّه تعالى بذاته الأقدس معبودا لأنفسهم بتمام معنى العبودية الحقيقية ، فاتخذهم اللّه تعالى عبادا لنفسه ومدحهم بأبلغ المدائح ، ولعلّ أرقّها قوله تعالى : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [ الفرقان - 63 ] . الرابعة : عبد للّه تعالى ولكنّه يطيع الشيطان ويتبعه ، قال تعالى حكاية عنه : لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً [ النساء - 118 ] ، سواء كان مسبوقا بالكفر ثم آمن كذلك أم لم يكن ، والجميع عبيده عزّ وجلّ لكثرة رأفته وعنايته بخلقه ، ويدل على ذلك قوله تعالى : نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ الحجر - 49 ] وقوله تعالى : وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ [ الشعراء - 52 ] مع أنّهم كانوا من سحرة فرعون ، فإنّ المنساق من هذه الآيات أنّ مجرد الإيمان باللّه جلت عظمته في مقابل الكفر به يكفي في شمولها له وهو مقتضى الرحمانية والرحيمية المطلقة له عز وجل . وفي الكلام من العناية واللطف ما لا يخفى . قوله تعالى : فَإِنِّي قَرِيبٌ . القرب معلوم . والقريب من أسماء اللّه الحسنى - وجميع أسمائه المقدسة حسنى ، وإنّما التوصيف إضافي لا أن يكون حقيقيّا - وهو إما أن يلحظ بالنسبة إلى الذات المقدسة ، قال تعالى : إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ [ هود - 61 ] ، وقال تعالى : إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ [ سبأ - 50 ] ، ويبيّن هذا المعنى قوله تعالى : وَهُوَ