السيد عبد الأعلى السبزواري
34
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وقد ذكر سبحانه وتعالى في المقام ثلاث خصال للقرآن الكريم : وهي أنّه هدى للناس ، وهذه خصلة من لوازم ذات القرآن ، بل جميع الكتب السماوية ، واشتماله على البينات الواضحة لكل فرد ، والفرقان بين الحق والباطل . فإنّ لكل حق حقيقة ، وعلى كل حقيقة نور . وفي مقابل كل حقيقة باطل ، وشأن الكتب السماوية والأنبياء ومن يحذو حذوهم علما وعملا تمييز الحق عن الباطل ، وعرضه على عقول الناس ، كل ذلك على حسب التدرج والتأنّي ، كما هو سنته تعالى في أصل الإيجاد ، أو في جهات التشريع . قوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ . الشهود بمعنى الحضور ، سواء كان بالبصر أو البصيرة ، أو الواقع فالكل شهود ، وهو من الصفات ذات الإضافة ، فكما أنّ الشاهد يشهد المشهود فهو أيضا حاضر لدى الشاهد . وفي المقام يمكن أن يكون المراد بالشهود الحضور مقابل الغيبة والسّفر ، ويعضده قوله تعالى : أَوْ عَلى سَفَرٍ . أو يكون المراد الأعم منه ومن استجماع شرائط صحة الصوم ، ويعضده قوله تعالى : وَمَنْ كانَ مَرِيضاً . قوله تعالى : وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ . العدة : هي المعدودة ، أي عليه صوم أيام أخر مثل الأيام التي فاتته من صوم شهر رمضان . ومن التفصيل بين حكم الحاضر وحكم المسافر في شهر رمضان وإثبات وقتين لهما يستفاد أنّه لا رجحان لصوم المسافر في شهر رمضان ، ويدل عليه ما يأتي من قوله تعالى ، وإلا لما كان لهذا التأكيد والتمييز بين الموضوعين والحكمين معنى . قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ . الإرادة : هي من الوجدانيات لكل ذي شعور ، لأنّ من لوازم الحياة التحرك بالإرادة ، واشتقاقها من ورد . وعن جمع من المفسرين وغيرهم أنّها بمعنى الطلب ، ولا كلية فيه كما