السيد عبد الأعلى السبزواري
79
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
الكبيرة . والمراد من الشهادة في المقام شهادة التحمل ، كما هو الظاهر ، فيكون التوبيخ والتعيير حقيقيا لأجل كتمان الواقع وإيقاع النفس في الكبيرة الموبقة والهلاك الأبدي ، ومثل هذا كثير في القرآن الكريم ، قال تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [ سورة الأنعام ، الآية : 21 ] ، وقوله تعالى : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ [ سورة الزمر ، الآية : 32 ] إلى غير ذلك من الآيات المباركة . والمراد بالمشهود عليه إما رسالة رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) ، وقد أخبر اللّه تعالى اليهود بأنه يقيم لهم نبيا من إخوتهم ويجعل كلامه في فيه ، كما أخبر المسيح برسول يأتي من بعده اسمه أحمد ، وقد كتموا هذه الشهادة تعصبا وإنكارا للحق . أو الشهادة بأن إبراهيم ( عليه السلام ) كان على دين الحق والإسلام والملة الحنيفية ولم يكن يهوديا ولا نصرانيا ، وقد كتموا الشهادتين ظلما . ومن المحتمل أن يكون المراد شهادة الأداء أي من أظلم من اللّه لو كان قد كتم الشهادة على أن إبراهيم ( عليه السلام ) كان يهوديا أو نصرانيا ، وقد بيّن خلافها ، فيكون الشرط تقديريا ، ويصح مثل هذا التعبير في المحاورات حتّى مع امتناع المتعلق ، كما في جملة كثيرة من القضايا الشرطية وما في سياقها . ويكون المراد من مثل هذا التعبير هو إيهام الطرف بأن كتمان الشهادة من الظلم القبيح ، وفيه من المفسدة العظيمة ولا سيما إذا كانت الشهادة في المعارف الإلهية والأمور الدينية فيكون أظلم ، ولذا أوعد عليه تبارك وتعالى . قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . تقدم معنى الغفلة في آية ( 75 ) من هذه السورة . وقد ذكرت هذه الكلمة في القرآن العظيم كثيرا ، قال تعالى : وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [ سورة النمل ، الآية : 93 ] ، وقال تعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [ سورة آل عمران ، الآية : 99 ] إلى غير ذلك من الآيات الشريفة . وبعد فرض إحاطته تعالى بما سواه إحاطة ربوبية قيومية تستحيل الغفلة بالنسبة إليه جل شأنه ، لأنه من الجمع بين