السيد عبد الأعلى السبزواري

76

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ سورة ص ، الآية : 46 ] ، وقال تعالى فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ [ سورة الزمر ، الآية : 2 ] ، وقال تعالى : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ سورة الحجر ، الآية : 40 ] ، وقال جل شأنه : أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ [ سورة الزمر ، الآية : 3 ] إلى غير ذلك من الآيات المباركة ، وكل ما قيل في حقيقة الإخلاص يكون دون حده ورتبته ، وقد قال علي ( عليه السلام ) : « بالإخلاص يكون الخلاص ، وطوبى لمن أخلص للّه العبادة والدعاء » . وهو من الأمور الإضافية فيضاف إلى أصل التوحيد تارة بدرجاته ، وفي مقابله الشرك بمراتبه . وإلى العبادة أخرى ، وفي مقابلها الرياء بمراتبه . وإلى سائر الأعمال ثالثة ، وفي مقابلها كثير من مفاسد الأخلاق ، والجامع بين الجميع الإخلاص في الدين . والعلماء والعرفاء ذكروا للخلوص والإخلاص معاني متعددة ، فعن الفقهاء ان معناه إتيان العمل للّه تعالى ، بأن يكون الداعي على إتيانه هو اللّه تعالى ؛ وقد فصلنا القول فيه في الفقه . وعن بعض العرفاء : إن الإخلاص ؛ سر من أسرار اللّه تعالى يستودعه قلب من يحب من عباده . وعن آخر : إنه لا يحب أن يحمد على شيء من عمله . وقد ينسب هذان القولان إلى الحديث أيضا . والحق إنه من الحقائق التي لها مراتب كثيرة جدا ، فأولى مرتبته أن يكون الداعي على إتيان العمل هو اللّه تعالى ، وأقصى مراتبه ما تنتهي إلى حبه تعالى وفي هذه المرتبة أيضا درجات غير محدودة حتّى ينتهي إلى ما أثبتوه من الفناء في اللّه الذي هو عين البقاء باللّه تعالى . وبالجملة أصل الحقيقة وجدانية عملية ، لا أن تكون قولية بيانية ؛ فكم من حقائق تقصر الألفاظ عن بيانها وإن كثرت والعبارات عن شرحها وإن تعددت . والمعنى إنّ التفاضل يأتي من ناحية الأعمال فكل امرئ رهين عمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، والمدار على الإخلاص ، وفيها تعريض لهم بعدم الإخلاص لهم .