السيد عبد الأعلى السبزواري

74

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

اللّه تعالى ويريده لا بما يشاؤه العبد ويريده ، كما يدل عليه صدر الآية المباركة وذيلها ، فان قوله تعالى : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ . وقوله تعالى : وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ بيان للصبغة والعلة لتحققها ، والإيمان والعبودية إنما يتحققان بما يشاء اللّه المعبود بالحق لا بما يشاؤه العابد . ومن ذلك يظهر أن تفسير الصبغة بالإسلام ، أو ملة إبراهيم ، أو دين اللّه كل ذلك صحيح وينبئ عن شيء واحد . وهو : التوجه إلى اللّه تعالى والانقطاع عن غيره ؛ كما سيأتي في البحث الروائي . ثم إن هذه الصبغة تنسب إلى اللّه تعالى نسبة الفعل إلى الفاعل ، كما تنسب إلى العبد نسبة الشيء إلى قابله ، وكل منهما على نحو الاقتضاء لا العلية التامة . ومن ذلك يظهر أحسنية هذه الصبغة من حيث الذات والمورد والفاعل ، فأصل اللون هو التوحيد والإيمان ومكارم الأخلاق ، ومورده المؤمن ، وفاعله هو اللّه عزّ وجلّ ، وغايته السعادة والخلود في الجنان . ومن آثارها العبودية التي كنهها الربوبية ، فلا يتصور في العالم شيء أفضل وأحسن من هذه الصبغة ، وفيها قال تعالى : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [ سورة الروم ، الآية : 30 ] . قوله تعالى : وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ . أي : لا نشرك في العبادة والألوهية غيره تعالى . وهو في موضع الحال ، وبيان العلة لأحسنية الصبغة . كما أن نصب « صبغة اللّه » بالفعل المقدر ، أي : اتبعوا ، أو بدل من ملة إبراهيم ، وإن كان الأخير هو الأوفق ، كما عرفت . ثم إن كمالات النفس الإنسانية على أقسام ثلاثة : الأول : ما تكون للدنيا ومن الدنيا وفيها أيضا ولا تتجاوز عنها وهذا هو الكثير الذي ابتلي عامة النّاس به ولا ربط له بصبغة اللّه تعالى أبدا . نعم هو مورد قضاء اللّه وقدره .