السيد عبد الأعلى السبزواري

71

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

عرفت . قوله تعالى : وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ . مادة ( ا ت ي ) تأتي بمعنى المجيء ، بسهولة ، وتستعمل في الأعيان والأعراض ، والخير والشر . والكل مذكور في القرآن الكريم ، قال تعالى : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ سورة الشعراء ، الآية : 89 ] ، وقال تعالى : أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ [ سورة التوبة ، الآية : 70 ] ، وقال تعالى : وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [ سورة الأنبياء ، الآية : 47 ] إلى غير ذلك من الآيات المباركة . وما أوتي موسى وعيسى عبارة عن التوراة والإنجيل وما حباهما اللّه تعالى من كرامة الوحي وسائر المعجزات الباهرات . وإنما خصهما بالذكر لكثرة الاهتمام بهما ، ولأن المقام مقام المحاجة مع اليهود والنصارى والإحتجاج عليهما . وإلّا فهما كسائر أنبياء اللّه تعالى يدعوان إلى التوحيد والإسلام ، ولذا أكد سبحانه وتعالى بعد ذلك ب : قوله تعالى : وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ . فلم يكن ذلك خاصا بموسى وعيسى ، فيكون تعميما بعد التخصيص ، وإيضاحا للسبيل ، وإتماما للحجة . والإشارة إلى أن أنبياء اللّه تعالى متحدون في الدعوة إلى الحق ، وهو أيضا أعم من المعارف التشريعية والمعجزات التي خص اللّه تعالى بها كل نبي . قوله تعالى : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ . أي : قولوا لا نفرق بين أحد من الرسل والأنبياء ونحن للّه تعالى مسلمون . قوله تعالى : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا . ( الباء ) في ( بمثل ) بمعنى التشبيه فقط ، ولفظة « مثل » تفيد معنى الآلية التي ينظر بها جيء به إتماما للحجة ، وقطعا للخصومة ، وهذا شايع ومتعارف عند الناس فليست الكلمة زائدة بل بمعنى التوسعة في المثلية في جميع القرون اللاحقة . قوله تعالى : وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ . التولي هو الإعراض