السيد عبد الأعلى السبزواري
59
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
مورد دعوة الأنبياء ( عليهم السلام ) جميعا ، لأنهم يدعون إلى المعبود الواحد حين كان لكل قبيلة بل لكل طائفة منها معبود خاص وينكرون وحدة اللّه جلت عظمته ويتعجبون منها قال تعالى : أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ سورة ص ، الآية : 5 ] بل لم يستعمل لفظ « واحد » في القرآن إلّا مضافا اليه عزّ وجلّ . وفي الآية المباركة إيجاز بعد اطناب والتقييد بالوحدة لدفع توهم تعدد الآلهة كما عليه الوثنيون . قوله تعالى : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ . أي : نحن له منقادون ومستسلمون لإرادته . وهذا تثبيت للمطلب بنحو الجزم والعلم ، وبيان لكون العبادة لا تكون إلّا على طريق الإسلام . قوله تعالى : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ . مادة ( ا م م ) تأتي بمعنى القصد ، وتختلف استعمالاتها باختلاف المتعلق ، فتستعمل تارة في الجملة كما في المقام . وأخرى : في الفرد الذي يكون كالجماعة في العقل والكمال والقدرة كما في قوله تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ [ سورة النحل ، الآية : 120 ] . وثالثة : في الملة والدين . ورابعة : في « حين » إلى غير ذلك من الاستعمالات التي تعرف بالقرائن . و « خلت » بمعنى مضت كما في قوله تعالى : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ [ سورة آل عمران ، الآية : 137 ] وهو في الأصل الانفراد ، فكأن ما مضى قد انفرد عن الحاضر ، وفي الحديث : « إن اللّه خلو من خلقه وخلقه خلو منه » . والكسب العمل الذي يجلب به النفع أو يدفع به الضرر ، ولذا لا يطلق معناه على اللّه لاستحالته بالنسبة إليه تعالى . ويستعمل بالنسبة إلى كل من أعمال الجوارح والقلوب قال تعالى : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [ سورة البقرة ، الآية : 225 ] ، وقال تعالى : ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [ سورة الروم ، الآية : 41 ] . وقد استعملت هذه المادة بهيئات مختلفة في القرآن الكريم .