السيد عبد الأعلى السبزواري

53

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

هذه الجهة من الأضداد . ومن للاستفهام الإنكاري أي : لا يرغب عن ملة إبراهيم الداعية إلى التوحيد والأخلاق والحنيفية إلّا السفيه . قوله تعالى : إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ . تقدم معنى السفه في آية 13 من هذه السورة ؛ وقلنا أنّ السفه والسفاهة بمعنى ضعف العقل وخفته ، سواء أكان في الأمور الدنيوية أم الأخروية أم هما معا . وعن بعض الأدباء والمفسرين أنّ السفه إن استعمل متعديا - كما في المقام - وقولهم سفه رأيه يكون بالكسر ، وإن استعمل لازما يكون بالضم ، لأنه من أفعال السجايا فلا يتعدى . والمعنى : انه لا يرغب عن ملة إبراهيم ( عليه السلام ) إلّا من أهان نفسه واحتقرها وأهلكها ، فإن ملة إبراهيم ( عليه السلام ) تدعو إلى أحكام الفطرة الواضحة لدى العقول . وإطلاق الآية الشريفة يشمل الفسق العملي في المسلمين أيضا . إن قيل : على هذا يعم السفه جميع الناس ( يقال ) لا بأس به ، إذ المراد بهذا السفه هو السفه الأخروي دون الدنيوي ، وقد أطلق سبحانه السفه على من اعترض على الدين وعلى من عيّر المؤمنين ، فقال تعالى : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها [ سورة البقرة ، الآية : 142 ] وقال تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ [ سورة البقرة ، الآية : 13 ] فالسفه تارة : يكون في الأمور الدنيوية وهو المراد بقوله تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ [ سورة النساء ، الآية : 5 ] وله أحكام كثيرة مذكورة في فقه المسلمين . وأخرى : يكون في أمور الدين والآخرة وله آثار كثيرة مذكورة في أحاديث الفريقين وثالثة : يكون فيهما معا وسيأتي في البحث الآتي تفصيل الكلام . قوله تعالى : وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا . مادة ( ص ف ي ) تأتي بمعنى الخلوص عن كل شوب ونقص وتأتي بمعنى الاختيار لأنه لا يقع من اللّه تعالى إلّا بذلك أي : ولقد اخترنا إبراهيم ( عليه السلام ) - بعد اختباره وخلوصه عن كل دنس ورذيلة - للرسالة والأمانة والهداية في الدنيا وجعل