السيد عبد الأعلى السبزواري

38

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ سورة الأنعام ، الآية : 162 ] وعن نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) في ما رواه الفريقان بطرق متواترة : « خذوا عني مناسككم » . والمراد بالرؤية هنا الرؤية الحقيقية أي المعرفة والإراءة لا مجرد الرؤية البصرية والتعليم القولي ، وتدل على ذلك روايات كثيرة دالة على أن جبرائيل كان معه ( عليه السلام ) في جميع أعماله وأطواره كما كان مع نبيّنا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) في حجة الوداع . قوله تعالى : وَتُبْ عَلَيْنا . التوبة تأتي بمعنى الرجوع ، أي الرجوع إلى اللّه تعالى عن مخالفته ، أو عن مجرد الالتفات إلى غيره ولو كان مباحا وتوبة الأنبياء ( عليهم السلام ) من الأخير فيكون قبولها من اللّه تعالى بالنسبة إليهم بمعنى ارتقاء الدرجة لا إسقاط العقاب ، وتسمى هذه توبة أخص الخواص في اصطلاح علم الأخلاق . مع أنّ لنفس استعمال التوبة نحو موضوعية خاصة فإنها لتذليل العبد واستصغار الأعمال بالنسبة إليه تعالى ، مع أنه يمكن أن تكون توبة الأنبياء عن ما يصدر من تابعيهم من المعاصي ، فإن من كان إمام قوم وسيدهم له أن يتوب إلى اللّه تعالى من ذنوب تابعيه . والمعنى : وفقنا للإنابة والرجوع إليك عما يشغلنا عنك . قوله تعالى : إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . التواب هو كثير التوبة أو لأجل أنه جل شأنه يوفق العبد للتوبة ثم يقبلها منه ثم يضاعف درجاته بها يعني : إنك وحدك توفق العباد للتوبة وتقبلها منهم والرحيم بهم ، وتقدم معنى الرحيم في بسملة سورة الفاتحة . قوله تعالى : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ . مادة ( ب ع ث ) تأتي بمعنى إثارة الشيء وتوجيهه وتختلف باختلاف المتعلق فتارة : تكون أمرا عرضيا خارجيا ، يقال بعثته في أمر قال تعالى : فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ [ سورة المائدة ، الآية : 31 ] وهذا عام يشمل الخالق والخلق وبعث اللّه الأنبياء والرسل إلى النّاس من هذا القبيل ، قال تعالى : فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [ سورة البقرة ، الآية : 213 ] ومثل هذا الاستعمال في