السيد عبد الأعلى السبزواري

29

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

وارتزاق أهل هذا البلد من الثمرات من أسرار البيت العظيم ، وهو ظاهر معروف ، وقد ورد بيانه في آية أخرى ، فقال تعالى : أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا [ سورة القصص ، الآية : 57 ] . ويصح في المقام إرادة الأعم فلأهل الظاهر ثمرات الأشجار ولأهل المعنى المعنويات كل بحسب استعداده . إن قيل : دعاء إبراهيم ( عليه السلام ) لا يختص بأم القرى ، لأن جميع البلاد التي تزدحم فيها الرواد والقوافل من أنحاء العالم تكون كذلك - خصوصا في هذه الأعصار - وكذا قوله تعالى : يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ [ سورة القصص ، الآية : 57 ] ، وكذا قوله تعالى : وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا [ سورة البقرة ، الآية : 126 ] فإنه من سبر الطبيعة مطلقا . يقال : استجابة دعاء إبراهيم ( عليه السلام ) في مكة وأهله من بدء وروده إلى الحرم ؛ وذلك لا ينافي صيرورة محال أخرى موارد رزق اللّه تعالى لمصالح لا يعلمها إلّا اللّه عزّ وجل ، مع أن دعاءه ( عليه السلام ) كان دائميا بدوام الدنيا وعمرها بخلاف غيرها ، فإنه في معرض الزوال والتبدل ، وسيأتي التفصيل في الآيات المباركة إن شاء اللّه تعالى . قوله تعالى : مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . ذكر تعالى اسم الجلالة ولم يأت بضمير الخطاب ، مع أن المقام مقام المخاطبة تعظيما وتجليلا وقد عمّم إبراهيم ( عليه السلام ) دعاءه لرزق أهل هذا البلد لبيان أن الرزق العام الربوبي لا يختص بالمؤمنين وإنما خصهم تعظيما لشأن المؤمنين ، فكأنهم المقصودون المستقلون لرزق الثمرات فجمع ( عليه السلام ) بين غاية رزق الثمرات وما يدور عليه النظام في ارتزاق الجميع . وتقدم معنى الإيمان في أول هذه السورة ، وإنما خصه بالمبدأ والمعاد ، لأن الإيمان باليوم الآخر مستلزم للإيمان بالأنبياء ( عليهم السلام ) . قوله تعالى : وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . بعد ما استجاب اللّه تعالى - بعظيم لطفه وواسع رحمته - دعاء إبراهيم ( عليه السلام ) وخص الأرزاق المعنوية بالمؤمنين وعمم رزق الدنيا