السيد عبد الأعلى السبزواري
27
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وقال تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [ سورة البقرة ، الآية : 125 ] ، وقال تعالى : وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [ سورة التين ، الآية : 3 ] . والمراد منها ما ورد عن نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) في قوله يوم فتح مكة : « إن اللّه حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، ولا تحل لي إلّا ساعة من النهار » وأمثال ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تدل على أصل الحرمة والاحترام التي كانت قبل الخلق ، ودعاء إبراهيم ( عليه السلام ) إنما كان تأكيدا لما سبق وترغيبا للنّاس ، لا أن تكون دعوة مستأنفة . والأمن المستعمل في القرآن إما أخروي ، أو دنيوي ، أو هما معا . والأول كقوله تعالى : ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ [ سورة الحجر ، الآية : 46 ] وقوله تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ [ سورة الدخان ، الآية : 15 ] . وللثاني موارد كثيرة منها الآيات المباركة الواردة في المقام . والمراد بالأمن إما للإرشاد إلى أن المحل محل لا ينبغي أن يقع الظلم فيه مطلقا ، فيكون تنبيها للعقل والعقلاء إلى عظمة المحل ، كما ورد في تعظيم القرآن ، والوالدين ، والمؤمن ، فتترتب على المخالفة المفسدة لا محالة . أو أنه أمر تكليفي فعلي لجعل المحل أمنا مما حذر ارتكابه في غيره وكل منهما صحيح ولا منافاة بينهما . كما أنّه يصح أن يكون الأمن فيه من القسم الأخير ، أي أمن الدنيا والآخرة . وفي الآية المباركة امتنان عظيم على أهل الحرم ورواده ، من جعل البلد آمنا في نفسه ومأمنا لأهله وغيرهم . قوله تعالى : وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ . مادة ( رزق ) تستعمل في العطية الجارية ، مطلقا ، مادية كانت أو معنوية ، كالعلوم والمعارف . ومن أسمائه تعالى رازق ، ورزّاق ، وخير الرازقين ، لعلمه جل شأنه