السيد عبد الأعلى السبزواري
69
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
تعالى لنبيه الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) مباشرة من وراء الغيب ليلة المعراج كما في الحديث . وأول ما ينظر إليها اللّه تعالى من أعمال العباد يوم القيامة « إن قبلت قبل ما سواها وان ردت رد ما سواها » وجعلها النبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) عمود الدين كل ذلك لما فيها من الأثر العظيم في تهذيب النفوس والعروج بها إلى الملكوت . وقد ذكر اللّه تعالى من عظيم أثرها في قوله : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [ سورة العنكبوت ، الآية : 45 ] ، ولذلك أمر اللّه تعالى بإقامتها والمحافظة عليها والخشوع فيها وأدائها في أوقاتها . وليس المراد بإقامتها مجرد الإتيان بها صورة من قيام وركوع وسجود خالية من روح العبادة والتوجه إليه تعالى وإلّا فهو مضيع لها وقد توعد اللّه فاعلها بالويل فقال جل شأنه : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ [ سورة الماعون ، الآية : 4 ] فهو وان سمي مصليا لكنه منعوت بالسهو عن حقيقتها فتقول الصلاة له : « ضيعك اللّه كما ضيعتني » كما ورد في الأثر ولأجل ذلك لم يستعمل لفظ الإتيان بالصّلاة في القرآن العظيم إلّا مقرونا بالذم غالبا كقوله تعالى : وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ [ سورة التوبة ، الآية : 54 ] . قوله تعالى : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . الرزق : هو العطاء الخاص في مقابل الحرمان ويشمل الماديات - كالمال والولد - والمعنويات كالعلم والتقوى والجاه . وبالجملة : كل جهة إمكانية تحققت بالنسبة إلى الإنسان وأفاض اللّه تعالى عليه فهو رزق منه تعالى إليه قال عزّ وجل : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ [ سورة الإسراء ، الآية : 70 ] . إن قلت : إثبات أنّ الإنسان بجميع جهاته - من ذاته ووجوده وعوارضه - رزق ومجعول منه تعالى مناف للنزاع المعروف بين الفلاسفة والمتكلمين من أن الوجود مجعول منه تعالى ، فتكون الماهية ليست كذلك أو الماهية مجعولة منه تعالى فالوجود ليس كذلك ، فلا كلية في ما ادعيت من أن الإنسان مجعول منه تعالى .