السيد عبد الأعلى السبزواري
61
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
خاص ويكون « هذا » لخصوص القريب و « ذلك » لخصوص البعيد ولوحظت هذه الخصوصية في الوضع والموضوع له ، فأصالة عدم ملاحظة هذه الخصوصية مسلمة عند جميع الأدباء وغيرهم أيضا . وإن أرادوا أنّ الخصوصية حاصلة عند الاستعمال ، فهو صحيح في الجملة لكن محققيهم لا يقولون بصحة أخذ ما حصل من الاستعمال في الموضوع له ، وقد فصلنا القول في الأصول فليراجع تأليفنا فيه . هذا مع أنّ هذا البحث ساقط بالنسبة إلى ما ينزل منه عزّ وجل ، إذ لا يتصور بعد وقرب بالنسبة اليه تعالى وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ سورة الحديد ، الآية : 4 ] ، وهو قريب في عين بعده وبعيد في عين قربه ، وقد استعمل لفظ « هذا » بالنسبة إلى القرآن أيضا ، قال تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي [ سورة الإسراء ، الآية : 9 ] مع أن القرب والبعد لهما مراتب متفاوتة في القرآن أيضا فهو قريب إلى الأذهان من حيث نظمه وأسلوبه الظاهري . وقصصه وبعيد عنها من حيث متشابهاته ودقائقه فيصح استعمال الإشارة القريبة والبعيدة اليه من جهتين ، وعن علي ( عليه السّلام ) : « إن القرآن ذو وجوه » . ثم إنّ هذه الجملة المباركة « ذلِكَ الْكِتابُ » في مقام التعظيم والإجلال للقرآن الكريم عظمة لا نهاية لها كما ستعرف . والكتاب قيل هو بمعنى الجمع لأنه مصدر من كتب يكتب إذا جمع . وقيل : إنه بمعنى المكتوب وهو اسم جنس لما يكتب . والظاهر أن مادة كتب بمعنى الثبوت والوجوب . ويمكن إرجاع الأولين إليه أيضا فإن القرآن هو الثابت في جميع العوالم والجامع لجميع المعارف والكمالات . وقد أطلق لفظ الكتاب على القرآن الكريم مقرونا بالتجليل والتعظيم ، قال تعالى : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ سورة ص ، الآية : 29 ] ، وقال تعالى : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ سورة إبراهيم ، الآية : 1 ] ، وقال تعالى : أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً [ سورة الكهف ، الآية : 1 - 2 ] إلى غير ذلك من الآيات المباركة .