السيد عبد الأعلى السبزواري
52
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
فهذه السورة على اختصارها مشتملة على جميع المعارف الإلهية والمعتقدات الحقة المذكورة في الكتب السماوية ، ويدل على فضل هذه السورة وكمالها مضافا إلى ذلك أمور أخرى : منها : حسن نظمها وجمالها فإنها ابتدأت بالبسملة ثم الحمد وبعده ثناء اللّه عزّ وجل بأتم الصفات ثم إظهار العبودية للّه تعالى التي هي أعلى مقامات الإنسانية ، فالاستعانة منه جل شأنه لدفع المهالك وجلب المنافع ثم طلب الهداية منه تعالى إلى طريق الصلاح ، فقد تجلى اللّه سبحانه وتعالى في القرآن وتجلى القرآن في الفاتحة ولأجل ذلك استحقت السورة ان تسمى ب ( أم الكتاب ) لاحتوائها - على اختصارها - عامة ما يحويه القرآن من المعارف وهي من أهم جوامع الكلم التي فضل اللّه تعالى خاتم أنبيائه ( صلّى اللّه عليه وآله ) بها وان شئت الظفر على بعض ما قلناه فانظر إلى ما يقرؤه أهل التوراة والإنجيل وسائر الأديان في صلواتهم تجد الفرق بينهما كبيرا . ومنها : أنّها تبين أدب العبودية وتعلم العبد كيفية التكلم والمخاطبة معه جل شأنه ، والتلقين منه تبارك وتعالى دليل على القبول والاستجابة ، وقد روى الفريقان عن نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) أنه يقول : « قال اللّه عزّ وجل قسمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي » . وقد تقدم في البحث الروائي . ثم إنّ ابتداء هذه السورة بالحمد يدل على محبوبيته له تعالى وحسنه على كل حال سواء كان لذاته أو لفعله أو لصفاته . والظاهر من إضافة الحمد إلى اللّه تعالى أن الذات الأقدس ذات محمودة والذات المحمودة بالذات تستلزم محمودية الصفات - التي هي عين الذات - فما تعارف بين العلماء من أن الحمد هو الثناء على الجميل الاختياري - كما تقدم - إنما هو بحسب الغالب المتعارف بين المخلوق بحسب إدراكهم والذات الأقدس خارج عن الاختيار ، والحمد على الذات الأقدس هو أعلى مراتب الحمد وعن النبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » . نعم ، لا بد وأن ينتهي الحمد إلى الذات الأقدس والا لتسلسل ، لأن إنشاء الحمد من الحامد نعمة منه تعالى فهو يحتاج إلى حمد آخر وهكذا