السيد عبد الأعلى السبزواري
417
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
[ سورة الرعد ، الآية : 37 ] والخطاب وإن كان موجها إلى رسوله ( صلّى اللّه عليه وآله ) . ولكن يراد به أمته ، لأنه تعالى يعلم بأنه ( صلّى اللّه عليه وآله ) لا يفعل ذلك فيكون إرشادا للإنسان إلى أن متابعة الهوى توجب الحرمان عن نعمه تعالى وإفاضاته ، فلا بد من متابعة الحق ولا تأخذه فيها لومة لائم ، لأنه يعلم بأنّ اللّه هو ولي أمره وناصره ، وإلّا لم يكن لائقا بعبوديته تعالى فيستحق أشد العذاب . وفي الآية المباركة إشارة إلى أن جميع المعارف الحقة - أصولا وفروعا - لا بد أن تستند اليه تعالى وما سواها يكون من الأهواء الفاسدة والمفسدة فيجب طرحها وعدم متابعتها . قوله تعالى : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ . مادة ( تلى ) تأتي بمعنى المتابعة ولها مراتب ودرجات ترتقي من القول فقط إلى أقصى درجات المتابعة في القول والفعل والوجود وسائر الجهات . والمراد بحق التلاوة هي التي توجب فهم الكتاب والتفقه فيه واتباع احكامه وقد وردت روايات كثيرة في أن المراد بها ترتيل آياته والتفقه به والعلم بأحكامه » وسيأتي في البحث الروائي ذكرها دون مجرد الترتيل مع المخالفة العملية وإلّا فهو استهزاء به واستخفاف باللّه تعالى ولذا قال نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « رب تال القرآن والقرآن يلعنه » والآية تتضمن قاعدتين عقليتين قررتهما الكتب السماوية . الأولى : أنّ الاعتقاد بالحق ، والعمل به يوجبان كمال النفس وارتقاءها إلى المقامات المعنوية ، والفوز بالدرجات الأخروية . الثانية : أنّ الكفر بالحق ، وترك العمل به يوجبان الخسران . وفي الآية المباركة إعلام للنبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) بأنه ربما يكون في أهل الكتاب من يرجى إيمانهم وهم الذين يتلون التوراة والإنجيل حق التلاوة فيتدبرون آياتهما ويتعلمون أحكامهما . قوله تعالى : وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ . أي : من يكفر بالنبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) من بعد علمه بالحق فهو الذي خسر السعادتين