السيد عبد الأعلى السبزواري
401
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
و « ثمّ » تستعمل في المحل البعيد سواء كان بعيدا عن العقول والأفكار ، أو بعيدا مكانيا ، ويدل على الأول قول الصادق ( عليه السلام ) : « من تعاطى ثمّ هلك » حيث يدل على خطر التفكير في ذات اللّه تعالى ، وعلى الثاني قوله تعالى : وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً [ سورة الإنسان ، الآية : 20 ] وكذا المقام . قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ . متعلق وسع يصح أن يكون كل ما يضاف إليه عزّ وجل من ملكه ، وعلمه ، وحكمته ، وقدرته وإحاطته وتدبيره ، قال تعالى : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ سورة البقرة ، الآية : 255 ] ، وقال تعالى : وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً [ سورة الأنعام ، الآية : 80 ] ، وقال تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ سورة الأعراف ، الآية : 156 ] ، وقد ذكر وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ في عدة آيات ، ولعل هذا التعبير في الآيات المباركة عبارة عن عدم التناهي في جميع صفات كماله وجماله كما أثبته الفلاسفة المتألهون . أي : ان اللّه تعالى واسع في رحمته ولطفه بالمتوجه إليه في عبادته . ومفاد الآية المباركة قاعدة كلية وهي أنّ اللّه تعالى لا يختص بمكان ولا تخصه جهة خاصة وهو منزه عن أي جهة ومكان ، فهو واسع لا يحده مكان إلّا أن حكمته المتعالية اقتضت لمصالح أن يخص بعض الأمكنة بالاستقبال في موارد خاصة في الشريعة المقدسة وفي غيرها يرجع إلى عموم هذه الآية الشريفة ، فما ورد في تفسير الآية المباركة أنها نزلت في صلاة النافلة إنما هو من باب التطبيق ، ومما يدل على ذلك ذيل الآية الشريفة ، فإن سياقها يدل على توسيع موضوع التوجه اليه عزّ وجل ، وأنه غير محدود بحد ، أو مكان خاص بل المناط كله هو التوجه إليه تعالى وأما سائر الخصوصيات - من المكان والزمان ونحوهما - فهي مطلوب آخر ربما يسقط لعذر أو ضرورة ويظهر من ذلك وجه ارتباطها بالآية السابقة ، فإنه تعالى بعد أن ذم من منع المساجد أن يذكر فيها اسمه ذكر تعالى أنه لا يحده مكان وجهة خاصة .