السيد عبد الأعلى السبزواري
379
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
حقيقة النسخ والحكمة فيه : لا ريب أن القوانين مطلقا - سواء كانت إلهية أو وضعية - تابعة للمصالح والمفاسد أي : أنها وضعت لتحقيق مصالح الإنسان ودرء المفاسد عنه ، فقد تقتضي المصلحة جعل القانون ثم تقتضي مصلحة أخرى رفعه أو تغييره ، وهذا مما تعارفت عليه القوانين الوضعية ، فإذا وضع الحاكم حكما لتنظيم العلاقات الفردية أو الاجتماعية ثم يرى عدم الفائدة في تطبيقه ، أو أنه لا يحقق المصالح المتوخاة من جعله يلغي ذلك القانون أو يصلحه بقانون آخر . ولم تخرج القوانين الإلهية عما تعارف عليه بين الناس ، بل لنا أن نقول أن النسخ كسائر ما يعرض على القانون من العموم والخصوص ، والإطلاق والتقييد . والمجمل والمبين من لوازم جعل القانون بحيث لا يمكن تصويره إلّا ومعه أحد تلك اللوازم . والنسخ بهذا المعنى معلوم عند كل أحد لا ينبغي الإشكال فيه وهو بالنسبة إلى القوانين الوضعية صحيح ، فإن الواضع الجاهل بحقيقة الحال لا يعرف متى ينتهي وقت العمل بالقانون الذي وضعه ومتى يتغير ، ولكن ذلك لا يصلح في النسخ بالنسبة إلى القوانين الإلهية فإنه يستلزم الجهل بالنسبة إلى الشارع المقدس ، وهو مستحيل ، فلا بد وأن يستند النسخ إليه سبحانه وتعالى بوجه صحيح ، وعمدة الوجوه المحتملة هي : الأول : إبداء الحكم بصورة الدوام لمحض المصلحة في الإنشاء والتشريع ، ثم تتبدل المصلحة الظاهرية إلى مصلحة واقعية في المتعلق والمجعول تقتضي نسخ ما أنشئ أولا ، نظير التكاليف الامتحانية . الثاني : كون المصلحة الموجودة في المتعلق محدودة بحد معين في الواقع ولكن إنشاء الحكم بصورة الدوام لمصلحة في ذلك ثم إنشاء حكم آخر لمصلحة يقتضيها الوقت . وإنما ظهر من الحكم الثاني ان الحكم الأول كان محدودا بحد معين فانقضى حده ، وتبدل الأحكام بتبدل المصالح والمفاسد مما يشهد بصحته الوجدان والبرهان . الثالث : كون الحكم ذا مصلحة كاملة من جميع الجهات في الإنشاء