السيد عبد الأعلى السبزواري
374
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
لهم ذات أنواط كما كان عند أقوام آخرين . فحقيقة الجهل المركب واحدة وان اختلفت مظاهرها . وقد أخبر نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) بأن ما وقع في بني إسرائيل يقع في هذه الأمة أيضا . ولا ريب أن تلك الأسئلة لا تصدر إلّا ممن طبع على اللجاج والعناد ، وعدم الإعتقاد بما جاء به الأنبياء ، ولذا أنكر عليهم سبحانه وتعالى . قوله تعالى : وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ . التبديل هو جعل شيء بإزاء شيء آخر بدلا منه . والسواء هو الوسط ، وسواء السبيل الصراط المستقيم . أي إن من عاند أنبياء اللّه تعالى ولم يؤمن بما جاؤوا به بكثرة السؤال فقد اختار الكفر على الإيمان ، ومن كان كذلك فقد ضل عن الصراط المستقيم . والمراد بالتبديل حقيقته الأعم من أن يكونوا قد قصدوا ذلك أو لم يقصدوه ، وهذه العناية لم توجد في التعبير بالشراء والاشتراء الواقعين في آيات أخرى . والسرّ في ذلك ما ثبت في الفلسفة العملية من أن أفعال العباد وإن كانت معلولة للإنسان لكنها مع كونها كذلك لها جهة علّية في نفس الفاعل ، فتكون مؤثرة فيه بنحو من الأنحاء فيصير علة لعمله ، وعمله علة مؤثرة فيه أيضا ، فإذا كان العمل الصادر من الإنسان خيرا أثّر فيه وأوجب صفاء نفسه ونورا في قلبه ، وإن كان شرا أوجب ظلمة وكدورة فيها حتّى تصل إلى ما قاله تعالى : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [ سورة المطففين ، الآية : 14 ] وحينئذ يرى الفاعل أثر فعله في هذه الدنيا فلا اختصاص لقوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ سورة الزلزال ، الآية : 8 ] بالآخرة بل يعم جميع العوالم ، كما تدل عليه الأحاديث الكثيرة التي تأتي الإشارة إليها في محلها . وعليه فإذا لم يسلك الصّراط المستقيم انسلاكا اعتقاديا أو عمليا فقد ضل عن سواء السبيل .