السيد عبد الأعلى السبزواري
352
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
( ث وب ) تأتي بمعنى الرجوع في جميع متفرعاتها ، وسمي الجزاء ثوابا لأنه رجوع العمل بوجوده الحقيقي الواقعي إلى العامل . قال تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ سورة الزلزال ، الآية : 8 ] ، وقال تعالى : هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ [ سورة المطففين ، الآية : 36 ] وغلّب استعمالها في مقابل العقاب . والمعنى : أنهم لو استبدلوا السحر ، واتباع الشياطين بالإيمان والتقوى لكان ثواب اللّه على أفعالهم الصالحة خيرا لهم من جميع ما اكتسبوه من أفعالهم . وتنكير المثوبة لبيان أنّ أقل ما يصدق عليه الثواب هو خير لهم مما عملوه . قوله تعالى : لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ . المراد به العلم الفعلي ولو إجمالا أي : أنّهم لو كانوا يلتفتون إلى أنّ الإيمان باللّه والتقوى أعلى درجات الكمالات في الإنسان ، وجزاء ذلك أغلى كل جزاء لعلموا قبح ما بدّلوه . بحوث المقام بحث دلالي : يستفاد من الآيات المباركة أمور : الأول : أنّ اللّه تعالى لم يبين حقيقة السحر في هذه الآية الشريفة ، وأجمل الأمر ، وإنما وصفه سبحانه في آية أخرى أنه تخييل وضرب من الخداع النفسي ، قال تعالى : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [ سورة طه ، الآية : 66 ] ، وقال تعالى : سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ [ سورة الأعراف ، الآية : 116 ] ولعل الحكمة في ذلك أنه أوكل معرفة الحقائق المكتسبة إلى بحث الإنسان وجهده في تحصيلها ، وقد ذكرنا في قصة الخليقة ما يتعلق بالمقام . الثاني : يستفاد من الآية المباركة أن السحر كان من الأمور العادية يتعلمه النّاس في تلك الأعصار ، وهذا من جملة الفروق بينه وبين المعجزة فإنها ليست كذلك ، وسيأتي مزيد بيان في البحث الآتي .