السيد عبد الأعلى السبزواري

34

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

نَعْبُدُ العبادة : الطاعة وأصل المادة تنبئ عن الذل والخضوع والاستكانة والانقهار في أي هيئة استعملت ومنها العبد والمملوك . فالمادة تشمل العبودية التسخيرية ، والعبودية الاختيارية والواقعية والعبادات الباطلة الاعتقادية ، كما في قوله تعالى : أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ [ سورة يس ، الآية : 60 ] . وقوله تعالى : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [ سورة الأنبياء ، الآية : 98 ] ، وقوله تعالى : إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً [ سورة العنكبوت ، الآية : 17 ] ، والعبادة : خضوع خاص ناشئ عن الإعتقاد بأن للمعبود عظمة ، ولا يحيط بها العقل في المعبود الحقيقي ، لعدم وصول الإدراك إلى عظمته فضلا عن ذاته ، وان كان مدركا بالآثار ، كما عرفت فإنه أعلى وأجلّ من أن يرقى إليه إدراك أحد ، ولذا لا تصدق العبادة على الخضوع بالنسبة إلى غيره تعالى . وقد تطابق العقل والنقل على عدم جوازها لغيره تعالى لأن حقيقتها الخضوع لمن هو في أعلى درجات الكمال بحيث لا كمال فوقه وهو منحصر باللّه تعالى ، وفي قوله تعالى : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ( * ) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [ سورة الصافات ، الآية : 95 - 96 ] إشارة إلى ذلك ، وأنه لا تكون العبادة الا للخالق ومفيض الحياة والإطلاق بالنسبة إلى غيره تعالى اعتقادي باطل لا واقعي حقيقي . والعناوين الشايعة ثلاثة : العبادة ، والطاعة ، والانقياد . والأول - عبارة عن إتيان العمل بقصد التقرب إلى اللّه تعالى سواء كانت صحة العمل في حد نفسه متوقفة على قصد القربة - كالصّلاة والصوم والحج وغيرها من سائر العبادات ، فإذا أتى بها من دون قصد القربة يبطل أصل العمل ، أو لم تكن كذلك ، كقضاء حوائج الإخوان وأداء حقوق النّاس ، أو مثل النظافة فإذا كان للّه تعالى يثاب عليه مع حصول الطاعة وإذا لم يكن له تعالى تحصل الإطاعة دون الثواب ، فالإطاعة أعم من العبادة ، كما أنّ الانقياد أعم من كل منهما لإطلاقه عليهما وعلى إتيان ما يحتمل أنه محبوب للّه تعالى وترك ما يحتمل انه مبغوض له عزّ وجل وإن لم يكن أمر ونهي منه تعالى ، وقد فصلنا