السيد عبد الأعلى السبزواري

332

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

واتبعوا أهواءهم ، فيقال للمسلمين العاملين على غير طريقة القرآن . إنكم آمنتم بالقرآن فبئسما يأمركم به إيمانكم أنكم آمنتم بأهوائكم فلستم بمؤمنين إذ لا بد أن يظهر أثر إيمانكم بالقرآن في أعمالكم . قوله تعالى : قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ . الزام لهم بالحجة ، فإنهم ادعوا دعاوى باطلة كما حكاها اللّه تعالى في القرآن الكريم كقولهم : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [ سورة البقرة ، الآية : 80 ] ، وقولهم نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ سورة المائدة ، الآية : 18 ] ، وأنهم شعب اللّه المختار وادعاؤهم الإيمان بما أنزل عليهم ، فرد اللّه تعالى عليهم وأكذبهم ، فقال تعالى : قل لهم إن كانت دعاويكم صادقة وأن الدار الآخرة مع ما فيها من الثواب والنعيم مختصة بكم فتمنوا الموت ، لأنه يوصلكم إلى ذلك النعيم ، فإن من علم أنه من أهل النعيم كان الموت أحب اليه من الحياة في الدنيا التي لم تبرح عن الشقاء والأذى ، ولم يعقل من الإنسان أن يؤثر الشقاوة على السعادة ، مع أنهم يفرون من الموت ويحبون الحياة ، وهذا من التناقض بين القول والفعل الذي لا ينبغي صدوره من العاقل . فإن معيار حب الآخرة حبا صادقا حقيقيا هو التحرز عن جميع العلائق والانقطاع إلى رب الخلائق ، كما قال ذلك علي ( عليه السلام ) في خطبه المباركة لا سيما الخطبة المعروفة في وصف المتقين وقد نسب إليه ( عليه السلام ) أنه قال : « واللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه » وكذلك يكون الذين أماتوا شهواتهم في الدنيا الفانية فأحبوا الحياة الأبدية في الدار الآخرة . قوله تعالى : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . أي إن كنتم صادقين في دعاويكم ، وفيه إيماء إلى كذب دعواهم . قوله تعالى : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ . كناية عن مطلق العمل السيئ سواء كان بالجوارح أو الكفر والضلال . وهذا الاستعمال شايع في المحاورات . أي : إنهم يعرفون مصيرهم بما قدموه من سيئات الأعمال ، وما اجترحوه من موبقات الخطايا والضلال ، فلن يتمنوا الموت