السيد عبد الأعلى السبزواري
324
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
المباركة ، وإن الفاعل يستوجب غضبا على غضب على حسب مراتب الذنب كبيرة أو صغيرة . قوله تعالى : وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ . الهوان بمعنى الذلة وهو إما ممدوح عند الخالق والمخلوق ، وذلك في ما إذا طرح الإنسان عن نفسه جميع أنحاء الأنانية والتكبر كما قال تعالى : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [ سورة الفرقان ، الآية : 63 ] وهو من الخلق الكريم ، والروايات في مدحه متواترة ، ويكفي في حسنه سيرة النبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) وخلفائه المعصومين ( عليهم السلام ) وقد روى الفريقان عنه ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « المؤمن هيّن ليّن » . وإما مذموم وهو ما إذا حصل عن استخفاف الغير للإنسان واستذلاله له في غير ما اذن فيه الشرع ، ولا ريب في أنه مرجوح بل حرام ، وأما إذا كان بإذن منه ففيه تفصيلات مذكورة في الفقه . والمراد به في المقام ذلك الذل والإهانة الحاصلان للإنسان من ارتكابه المعاصي والمحرمات الإلهية ، والكفر الموجب لخلوده في النار . وفي جعل الظاهر موضع المضمر - فلم يقل : ولهم عذاب مهين - إشارة إلى بيان التعليل في خلودهم في النار وهو الكفر . قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا . ذكر سبحانه وتعالى مظهرا آخر من مظاهر استكبارهم وغرورهم ، وقد سبق أن قالوا : قُلُوبُنا غُلْفٌ لم نفهم الإيمان ، ولا نعقل ما يدعو إليه الرسول ( صلّى اللّه عليه وآله ) وهنا ذكر تعالى اعتذارا آخر منهم والرد عليهم . أي : إذا قيل لليهود آمنوا بالقرآن الذي أنزله اللّه على رسوله الكريم ( صلّى اللّه عليه وآله ) قالوا بغيا واستكبارا : نؤمن بالذي أنزل علينا من التوراة ولا نؤمن بغيرها ، وفي قوله تعالى : آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ إشارة إلى أن المناط هو الإيمان بالذي أنزله اللّه تعالى سواء كان على موسى ( عليه السلام ) أو محمد ( صلّى اللّه عليه وآله ) فإنّ الأنبياء إنما هم مبلغون عن اللّه تعالى . وفيه رد لمزاعم اليهود وغيرهم من أن الإيمان لا بد وأن يكون بالذي أنزل على نبي