السيد عبد الأعلى السبزواري

312

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

وذكرنا أن مضمونها أحكام فطرية حكم بحسنها العقل إلّا أن لها قيودا مذكورة في الكتاب ، فليست الآية منسوخة وإلّا لعمّ النسخ كل تقييد لمطلق ، أو خاص لعام ، والحديث الوارد في المقام عن الصادق ( عليه السلام ) كما سيأتي محمول على ما ذكرناه إن تم اعتباره . قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ . ذكر سبحانه وتعالى في هذه الآية المباركة جملة من المنهيات التي أخذ العهد من بني إسرائيل باجتنابها ، كما ذكر في سابقها مما أمروا بها . والسفك والصب والإهراق بمعنى واحد . والنفس - بالسكون - بمعنى الروح ، وهما شيء واحد وإن اختلفا مفهوما ، وهي اشرف ما في الإنسان وقد تحيرت العقول فيها ولم تزل مورد بحث العلماء واجتهادهم ، وغاية ما وصل العلم فيها مع بذل الجهود الجبارة أنها مبدأ الحياة والحركة ، ولكنهم لم يقدروا أن يتوصلوا إلى الحقيقة ، بل كلما ازداد الجهد فيها في تعاقب القرون ازداد الإنسان بعدا عنها وازدادت غموضا ، ولذا قالوا : إنّ قوله ( عليه السلام ) : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » من التعليق على المحال إن لوحظ بالنسبة إلى الحقيقة ، وأما إذا لوحظ باعتبار الآثار فهو متيسر بحسب مراتب الإدراكات والاستعدادات والنفس - بالفتح - الهواء الداخل في البدن والخارج منه وبه قوام الحياة وتأتي بمعنى الفرج ، ومنه ما نسب إلى النبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « إني أجد نفس الرحمن من اليمن » . وفي قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ التفات إلى الحاضرين ترغيبا لهم إلى الإيمان بالنبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) الذي يبين ما أخذ عليهم من المواثيق . والديار جمع الدار ، سميت به لدورها على ساكنها وهي من الأمور التشكيكية الإضافية ، فالدنيا مع سعتها دار الفناء ، والآخرة مع عدم انتهائها دار البقاء ، ودار المسكين التي لا تسع مدّ رجليه دار أيضا . والدّيار - بالتشديد - من سكن الدار . والمعنى : وإذ أخذنا منكم العهد أن لا يسفك بعضكم دم بعض ولا