السيد عبد الأعلى السبزواري

281

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

قولي أو حالي أو عملي أو بالجميع ، والتجاء الأنبياء والأولياء من القسم الأخير ، لشدة انقطاعهم اليه عزّ وجل ، ولعل من أشده قول مريم ابنة عمران : إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا [ سورة مريم ، الآية : 18 ] ، وقال تعالى : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ [ سورة الفلق ، الآية : 1 ] إلى غير ذلك من الآيات المباركة فالالتجاء إلى اللّه تعالى لا بد أن يكون حاليا وعمليا ، لا أن يكون من مجرد القول فقط . والجهل تارة يطلق على ما يقابل العقل ، وأخرى : على فعل ما لا ينبغي فعله إلّا من الصغير وبعض مراتب الشبان ، ومنه قوله تعالى : هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ [ سورة يوسف ، الآية : 89 ] وهو ملازم للمعنى الأول . ويمكن أن يستدل بمثل هذه الآية المباركة على عصمة الأنبياء لأن الاستهزاء والسخرية قبيحان لا ينبغي صدورهما منهم خصوصا إذا كانا في مورد أحكام اللّه تعالى . قوله تعالى : قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ . الدعاء في هذه الآيات بمعنى طلب الحاجة ويجوز في ضمير البقرة كل من التذكير والتأنيث . وقد سألوا من موسى ( عليه السلام ) ان يسأل ربه ان يبين صفات البقرة . قوله تعالى : قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ . الفارض المسنة . والبكر ما لم يستفحله الفحل ، وضربة بكر أي قاطعة . وعن ابن فارس : « كانت ضربات علي ( عليه السلام ) أبكارا إذا اعتلى قد ، وإذا اعترض قط » . والعوان النصف وهو التوسط بين السنين أي : ان البقرة متوسطة في السن ليست بكبيرة لا تحمل ، ولا صغيرة لم تحمل . وقوله تعالى : فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ . تأكيدا للأمر الأول وفيه من التنبيه على ترك التعنت . قوله تعالى : قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ . الفاقع صفة كمال للصفرة كما يدل عليه ذيل الآية الشريفة أي : خلصت صفرته يقال : أسود حالك ، وأحمر قانئ ،