السيد عبد الأعلى السبزواري
273
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
ويقولون : إنهم المتوسطون في الاختراع وقالوا : إنه لا يمكن أن يكون الإنسان مورد فيض الروحانيات وعنايتهم إلّا بحصول المناسبة بينه وبينها ، ولا تتحقق هذه المناسبة إلّا بتطهير النفس عن الرذائل وتهذيبها عن العلائق الشهوية والغضبية والتحلي بالكمالات . وبعبارة أخرى : تحلي النفس بالكمالات وتخليها عن الرذائل والشهوات ، ولا يحصل ذلك إلّا بالعمل الشاق ، وسيأتي بعض تلك الأعمال . وبعض الصابئة يقولون بوحدة الوجود فقالوا : إن الخالق واحد كثير أما الواحد ففي الذات وأما الكثير فلأنه يحل في مخلوقاته ويتكثر بالأشخاص ، وقالت الصابئة إنّ اللّه أجل من أن يخلق الشر والقبائح والأقذار والمخلوقات الحقيرة المؤذية - كالعقارب والخنافس والحيات - بل هي كلها واقعة ضرورة اتصال الكواكب سعادة ونحوسة واجتماعات العناصر صفوة وكدورة ، فما كان من سعد وخير فهو الصفوة وتنسب إليه عزّ وجل ، وما كان من نحس وكدر وشر فلا ينسب إليه بل هي حاصلة إما اتفاقا أو ضرورة . والروحانيات كثيرة عند الصابئين فمنها مدبرات الكواكب السبعة السيارة في أفلاكها وهياكلها فإنها مدبرات هذا العالم ، وحيث لم يتمكنوا من معاينة هذه المدبرات السبعة صنعوا لها هياكل وتقربوا إليها ، ومنها الجواهر العقلية الروحانية ، وقد بنوا لكل من هذه الأسماء والأفلاك السبعة هياكل واشكالا تقربوا إليها ، فمنها هيكل العلة الأولى ، ودونها هيكل العقل ، وهيكل الضرورة ، وهيكل النفس كلها بأشكال خاصة مختلفة كما صنعوا كذلك هياكل الكواكب السبعة . وقالوا : إن نسبة الروحاني إلى الهيكل نسبة الروح إلى الجسد وفعل الروحانيات إنما هو تحريك تلك الهياكل لتحصل من تحريكها انفعالات في الطبايع والعناصر ، والروحانيات إما كلية فيكون تأثيرها كليا أو جزئية فالتأثير جزئي ، ويقولون : إن لكل ظاهرة طبيعية ملكا يكون مدبرا لها . ثم إنّ بعض الصابئين لما رأوا أن هياكل الأفلاك السبع دائمة التغير تطلع وتغرب ، ترى ليلا ولا ترى نهارا ، وضعوا لتلك الهياكل اشخاصا وتماثيل لتكون نصب أعينهم ، ويتوسلون بها إلى الهياكل وهي إلى الروحانيين وهم