السيد عبد الأعلى السبزواري
266
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
بحث فقهي وكلامي : قد استدل بالآية الشريفة كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ على إباحة الأشياء وحليتها وجعلوها أصلا عبروا عنه بأصالة الإباحة العقلية والنقلية وقد حررنا البحث عنه في كتابنا [ تهذيب الأصول ] فلا وجه للتعرض هنا بعد ذلك . كما استدل بها على أنّ الرزق يطلق على الحلال فقط لأن الأمر يدل على الإباحة في المقام ، وحيث لا يتصور الإباحة في الحرام فلا يصدق عليه الرزق . ولكن يرد عليه أنّ من شرط ظهور اللفظ في شيء إحراز كون المتكلم في مقام بيان ذلك الشيء وإقامة الحجة عليه ، وهو غير محرز في المقام ، ويكفي في عدم صحة التمسك بالإطلاق الشك في ذلك على ما هو المتعارف في المحاورات ، وقد حررنا ذلك في أصول الفقه ، ويأتي في الآيات المناسبة ما يتعلق بالرزق إن شاء اللّه تعالى . بحث فلسفي : ذكر اللّه سبحانه وتعالى في هذه الآيات المباركة جملة من المعجزات التي صدرت من موسى ( عليه السلام ) وهي كلها من صنع اللّه تعالى وإذا نسبت اليه تعالى لا يتصور فيها التحديد والتقييد بوجه من الوجوه لعموم قدرته ، فالحد بالنسبة إلى الكمال الأتم المطلق من كل جهة - من ذاته وبذاته ولذاته - لا يتصور له معنى معقول ، ولكن إذا لوحظ ذلك كله بالنسبة إلى المورد والمتعلق لا بد أن يحد بحد الإمكان الذاتي إذ المستحيل بالذات يقصر عن أن يقع مورد المعجزات وخوارق العادات ، لقصور في المتعلق لا أن يكون القصور في القدرة ، وقد سئل أبو عبد اللّه ( عليه السلام ) : « هل يقدر اللّه على أن يجعل الدنيا في بيضة بحيث لا تصغر الدنيا ولا تكبر البيضة ؟ فقال ( عليه السلام ) إن اللّه قادر ، ولكن هذا لا يكون » ، فاتفق العقل والنقل على خروج الممتنعات عن مورد المعجزات وخوارق العادات ، وإنما يكون موردها الممكنات الذاتية ، وإن كانت ممتنعة عادة بالأسباب العادية لكنها ممكنة