السيد عبد الأعلى السبزواري

248

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

للصاعقة الموجبة للموت والبعث بعده ، بل قال تعالى في حقه ( عليه السلام ) وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [ سورة الأعراف ، الآية : 143 ] ، وسيأتي التفصيل في سورة الأعراف . قوله تعالى : ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . البعث بمعنى الإثارة والإرسال والتوجيه . وقد استعملت مادته في القرآن الكريم بهيئات مختلفة ، ويجمع جميع هذه الاستعمالات أحد أمور ثلاثة : أحدها : الإيجاد من العدم إلى عالم الدنيا ، كقوله تعالى : فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ [ سورة المائدة ، الآية : 31 ] ، بناء على أنه أول غراب بعث من العدم إلى الوجود ، كما هو الظاهر . ثانيها : الإحياء بعد الإماتة ، كقوله تعالى : وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [ سورة الحج ، الآية : 7 ] . ثالثها : البعث إلى المقاصد الصحيحة كبعث الرسل ، قال تعالى : وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [ سورة البقرة ، الآية : 129 ] . والمعروف بين المفسرين أن الأول مختص باللّه تعالى ، ويستعمل الأخيران في غيره أيضا ، لأن بعض أولياء اللّه تعالى يحيي الموتى ، وأما البعث في الحوائج فهو شايع عند الناس . أقول : إن اختصاص الأول باللّه تعالى منصوص في قوله عزّ وجل لعيسى ( عليه السلام ) : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي [ سورة المائدة ، الآية : 110 ] إلّا أن يقال : إنه من تبديل الصورة ، لا الإيجاد من العدم المحض . والمراد بالبعث هنا المعنى الثاني أي بعثوا بعد الموت لعلهم يشكرون هذه النعمة عليهم ، ولكنهم قابلوها بالكفران .