السيد عبد الأعلى السبزواري
246
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
اللّه جهرة ، وهذا بيان لقصة أخرى من قصصهم وهي من أعظم مظاهر جهلهم ، وكانت عقوبة هذا الجهل من أعجل العقوبات التي حلت بهم . والإيمان بمعنى التصديق يتعدى باللام ، كما في المقام ، وبالباء كما في قوله تعالى : قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ [ سورة الأعراف ، الآية : 123 ] . والرؤية هنا الإدراك بالقوة الحسية البصرية ، وتستعمل بمعنى العلم وما يدرك في عالم الرؤيا أيضا ، والجهر معناه العلانية ، والمراد به ظهور المدرك ( بالفتح ) معاينة في القوة الحسية إما في البصر ، كقول القائل : رأيته جهارا ، أو السمع كقوله تعالى : وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى [ سورة طه ، الآية : 7 ] ، وأكد بالجهر للفرق بين رؤية العيان وغيرها . قوله تعالى : فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ . تقدم في قوله تعالى : يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ [ سورة البقرة ، الآية : 19 ] معنى الصاعقة ، وهي النار المحرقة ، قال تعالى : وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ [ سورة الرعد ، الآية : 13 ] ، وقد يراد بها الصوت الشديد الموجب للموت ، قال تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [ سورة الزمر ، الآية : 68 ] ، وتأتي بمعنى العذاب ، كما في قوله تعالى : أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [ سورة فصلت ، الآية : 13 ] . واحتمالات الصاعقة في هذه الآية المباركة هي : إما أن تكون من العذاب الأخروي جزاء لغيّهم ولجاجهم . وفيه : أنه خلاف ما في الكتب السماوية من أن العذاب الأخروي متوقف على أمور معينة يأتي بيانها إن شاء اللّه تعالى ، أو تكون نحو عذاب دنيوي ، جزاء لعنادهم ولجاجهم . وفيه : أنه خلاف ما جرت عليه عادة اللّه تعالى من التأني والإمهال في التعذيب والتأخير فيه إلّا ان يخصص المقام ، أو أن الصاعقة حصلت من آثار عظمته وجلاله وكبريائه جل شأنه فتكون من سنخ قوله تعالى : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً [ سورة مريم ، الآية : 91 ] فهي أمر وضعي تكويني ، وتأثير الأقوال ، والأفعال غير