السيد عبد الأعلى السبزواري

240

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

تعالى كل في أمته ومورد نبوته . قوله تعالى : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ . البارئ مثل الخالق لفظا ومعنى ، لكنه أخص من الثاني من جهات ثلاث : الأولى : اختصاصه بالإطلاق على اللّه عزّ وجل ، ولا يطلق على غيره إلّا بالعناية . الثانية : اختصاصه في كون متعلقه الحيوان ، يقال : خالق الخلق وبارئ النسمات . الثالثة : اختصاص مورده بالأمور الدقيقة التي لا يحيط بها إلّا علّام الغيوب . فهو أخص من الخالق والمصور ، قال تعالى : هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ سورة الحشر ، الآية : 24 ] . والبارئ من الأسماء الحسنى . والتعبير به في هذه الآية المباركة إشارة إلى نهاية جهلهم ، حيث اختاروا عبادة الحيوان المعروف بالغباوة في مقابل من هو بارئ لذاته ومن ذاته ، وتقدم معنى التوبة في آية : 37 . قوله تعالى : فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . بيان للتوبة ، أي : ليقتل من لم يعبد العجل من عبده ، ولعل التعبير ب « أنفسكم » إشارة إلى ملاحظة التراحم بينهم لئلا يتسرعوا إلى القتل ، لأن بينهم كانت وحدة القرابة والدين ، وليس المراد قتل الإنسان نفسه [ الانتحار ] كما في بعض التفاسير ، بل قتل بعضهم بعضا لما قلنا من وجود الوحدة بينهم - هذا في شريعة موسى ( عليه السلام ) ، وأما في الشريعة المقدسة السمحاء فقال ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « ما أنعم اللّه على عبده بعد الإسلام أفضل من التوبة » ، وقال ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « كفى بالندم توبة » ، أو : « إن الإسلام يجبّ ما قبله » . والأمر بالقتل في الآية المباركة يتصور على وجوه : الأول : القتل العشوائي - كالسباع الضارية التي يتكالب بعضهنّ على بعض - بلا فرق فيه بين البر ، والفاجر - أي عابد العجل - كما في جملة من