السيد عبد الأعلى السبزواري

231

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

مكان يبحثون عن المراعي الخصبة حتّى حل الجدب والمجاعة في أرض كنعان وما جاورها ، فكان لا بد لهم من الهجرة إلى مصر التي عرفت بوفور نعمها وكثرة مياهها ، ولم تكن مصر غريبة عنهم فقد دخلها أبوهم إبراهيم من قبل . وأول من دخل مصر من بني إسرائيل هو يوسف بن يعقوب ( عليهما السلام ) وانضم اليه إخوته وعشيرته كما بيّن سبحانه وتعالى قصتهم في سورة يوسف . وعاشوا فيها زمنا طويلا ، فتكاثر نسلهم وازداد عددهم عاما بعد عام . والمذكور في التوراة أنّ ذرية هذه الجماعة هي التي خرجت من مصر بعد مرور أكثر من أربعة قرون بسبب اضطهاد فرعون وقومه لهم . والإسرائيليون في مصر كانوا في عزلة تامة عن المصريين لا يختلطون معهم ، ولذلك لم يتعرض لهم المصريون بسوء حتّى ازداد نسلهم وكثرت أموالهم فأصبحوا مصدر قلق لملوك مصر واشتد هذا القلق في عهد رمسيس ( 1300 - 1233 قبل الميلاد ) الذي يعد من أعظم الفراعنة قدرة ومنعة ، فقد تغلب على أعداء مصر وجلب منهم عددا كبيرا إليها ، وأسرف في البناء فكان من نتائجه أن نصف ما بقي من العمائر المصرية تعزى إلى أيام حكمه ، وراجت التجارة في عهده وازدادت ثروة المصريين ، وقد أظهر العداء لبني إسرائيل وكان لذلك أسباب عديدة كان من أهمها أنهم عرفوا بخيانتهم للعهد والإفساد لدى المصريين وكان ذلك نتيجة انعزالهم وابتعادهم عنهم وامتناعهم عن قبول عقيدتهم . وقد نقل التاريخ أنّ هذا الملك جمع قومه وسألهم عما يفعله ببني إسرائيل فنصحوه باستعبادهم حتّى يتغيروا عما هم عليه ، فإن للعبودية أثرا كبيرا في إذلال النفس وتغييرها . وقد أخذ بنصيحتهم فاستعبدهم إلّا أنه لم يتحقق له ما يريده ، واستبطأ أثر الاستدلال فعمل على انقراضهم حتّى نمى اليه أنهم يريدون التآمر عليه فازداد قسوة عليهم فأذلهم وسخرهم في الأعمال الشاقة كالبناء وحصرهم في ساحات العمل ووكل بهم من يتبعهم حتّى لا يجدوا فسحة للراحة ، فقد عانوا من هذا الوضع أشد العذاب وانتشرت فيهم