السيد عبد الأعلى السبزواري

228

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

والظلف - كما صرح به ابن الأثير - فلا يشمل الإنسان . ولكن كل ما قيل من هذه الاحتمالات في قصة فرعون وبني إسرائيل يناسب ما نسب إليهم من السيئات . قوله تعالى : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ . البلاء الاختيار والامتحان ، ويستعمل في الخير والشر ، قال سبحانه : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ سورة الأنبياء ، الآية : 35 ] ، وقال تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [ سورة محمد ، الآية : 31 ] ، فهو إما إنعام أو انتقام ، وربما يكون إنعاما لقوم ، وانتقاما من آخرين وهو كثير في سنة اللّه الجارية في هذا العالم ، ولذا عبّر تبارك وتعالى بكلمة ( ربكم ) لأن الربوبية العظمى تقتضي ذلك . قوله تعالى : وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ . الفرق والفلق هو الانفراج ، ولكن الأول مع الفصل ، والثاني مع الانشقاق . وفرق البحر انفصال بعضه عن بعض مع بقاء الجسم السيال على سيلانه ، وهو من أعظم المعجزات لموسى ( عليه السلام ) كما شرحه اللّه تبارك وتعالى بقوله جلّ شأنه : فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [ سورة الشعراء ، الآية : 63 ] والطود هو الجبل . والبحر هو الاتساع والانبساط ، ومنه سمي البحر بحرا ، وهو من الموضوعات الإضافية التشكيكية ، فالبحر المحيط بالدنيا بحر ، ودجلة والفرات أيضا بحر بالنسبة إلى السواقي ، والمراد به هنا هو بحر القلزم [ البحر الأحمر ] على المعروف . والباء في قوله تعالى : بِكُمُ الْبَحْرَ للسببية ، لأن عبورهم في البحر بإعجاز منه جل شأنه صار سببا لفرق البحر ، فلا تنافي بين هذه الآية المباركة وقوله تعالى : أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ [ سورة الشعراء ، الآية : 63 ] لأنه أيضا سبب منه تبارك وتعالى ظهر في عصا موسى ، فهم كانوا السبب الغائي لفرق البحر ، والعصا كانت بمنزلة السبب الفاعلي ، والكل منه تبارك وتعالى .