السيد عبد الأعلى السبزواري

222

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

الأول : أنّ الكمال في الآخرة وعدمه فردي فقط ، فصاحب العمل الصالح له مقام خاص به يختلف باختلاف مراتب العمل من دون أن يكون في البين تسبب أسباب ، وتهيئة أمور فيها ، لكونهما في الدنيا ، ويظهر أثرها في الآخرة . الثاني : أنّ فيها تنحصر الملكية والمالكية والملك في اللّه تعالى فلا ملك إلّا له ، ولا مالك إلّا هو ، ولا ملك إلّا وهو قائم به عزّ وجل فتنقطع بذلك الأسباب والمسببات الاختيارية وغيرها ، بل هو تعالى كذلك في جميع العوالم ، إلّا أنه جرت إرادته الكاملة على تسبب الأسباب الظاهرية ، ليجري النظام الأحسن على أكمل الوجه ، وأتم الحكمة . نعم باب الشفاعة مفتوح ، لكنه محدود بحدود خاصة ، كما ستعرف فلا حكم إلّا حكمه ولا ملك إلّا ملكه ، فقياس الآخرة على الدنيا كما تراه بعض الأمم - منهم اليهود - حيث يتوهمون دفع المكروه والعذاب عن النفس بالفداء ، أو الشفاعة ، أو مناصرة بعض له ، أو دفن بعض الأثاث لينتفع بها في مهماته الأخروية كما كان ينتفع بها في الدنيا ، كل ذلك باطل ، فإن في الآخرة تنقطع الأسباب إلّا سبب واحد وهو العمل الصالح في الدنيا ، قال تعالى : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ سورة الشعراء ، الآية : 88 ] . ( إن قيل ) : تدل الأخبار الكثيرة على أنه يلحق بالميت كل خير يهدى اليه من دار الدنيا حتّى أنه قد يكون في ضيق فيوسع اللّه عليه بذلك كما يأتي . ( قلت ) : فرق واضح بينهما ، فإن ما يلحق بالميت من الصدقات والخيرات إنما يصرف في سبيل اللّه تعالى فيصل ثوابها اليه لا محالة لا أن ينتقل نفس المال إلى الميت ، ودفن المال والسلاح لا يستفيد منه الميت على فرض أن اللّه تعالى يعيده في الآخرة . نعم ، ورد في بعض الروايات أن الشهيد يدفن بثيابه ولا ينتزع منه شيء ، قال نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) في شهداء بدر : « زمّلوهم بدمائهم فإنهم يبعثون معها يوم القيامة » وذلك لأنه رمز الحياة الأبدية والنعمة السرمدية فلا تزال تبقى معه أبدا .