السيد عبد الأعلى السبزواري
202
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 40 إلى 43 ] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 40 ) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ( 41 ) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 42 ) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 ) بعد أن ذكر سبحانه خلق الإنسان وحالاته وأطواره خاطب طائفة خاصة وهم اليهود - وبدأ بذكرهم ، لأنهم أقدم الطوائف التي أرسل فيهم الأنبياء والرسل ، وأنزل فيهم الكتب ، وهم أول طائفة من الأمم هبطوا من ذروة المقام الإنساني إلى درك حضيض البهيمية ، وهم السابقون في نقض عهد اللّه ، مصرين على ذلك ، وملتزمين بغيهم وجحودهم لا يرتدعون برادع أرضي أو سماوي أتعبوا أنبياء اللّه بغيهم ولجاجهم وشق على سيد المرسلين فسادهم وإفسادهم ، وهم أشد الناس عداء للمؤمنين ، ومن سنة اللّه تعالى المداراة مع العصاة بكل ما أمكن - كما سيأتي في الآيات الشريفة - فقد تكرر ذكرهم في القرآن لعلهم يرشدون . التفسير قوله تعالى : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ . إسرائيل مركب من كلمتين [ إسراء ] بمعنى العبد ، أو الصفوة ، أو القوة - على ما يأتي في البحث الروائي - و [ ائيل ] بمعنى اللّه تعالى ومعناه عبد اللّه أو صفي اللّه ، وقد ورد هذا اللفظ في القرآن مكررا . وإنما ذكرهم سبحانه بهذا التعبير تحريضا لهم بالتحلي بمكارم الأخلاق ونبذ مساويها ، لأنهم يرون أنفسهم من أهل صفوة اللّه والعبودية له عزّ وجل ، فلا ينبغي لهم هذا النحو من اللجاج والعناد والفساد ، كما في قوله تعالى : يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ [ سورة الأحزاب ، الآية : 32 ] . و ( الذكر ) بمعنى الاستحضار سواء كان باللسان أو القلب أو هما معا ، فمن الأول قوله تعالى : وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ [ سورة الأنبياء