السيد عبد الأعلى السبزواري
200
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
المجردات والروحانيين أول ما خلق اللّه العقل ، ثم الأشرف فالأشرف حتّى يصل إلى آدم ( عليه السلام ) ، وفي سلسلة الماديات والأعراض يكون الأشرف فالأشرف أشياء أخرى تقدم بعضها في تفسير سورة الحمد في قوله تعالى : رَبِّ الْعالَمِينَ . ويمكن أن تكون السلسلة الأخيرة متقدمة من بعض الجهات على بعض أفراد السلسلة الأولى ، إذ لا تنافي في ذلك . وتوهم : أن أصل القاعدة إنما يتم بناء على لزوم السنخية بينه جل شأنه وبين خلقه ، وقد أبطلتها الشرائع المقدسة فلا موضوع لقاعدة « إمكان الأشرف » أصلا . غير صحيح ، لأنه لا ربط للسنخية بهذه القاعدة أبدا لما أثبتناه في الفلسفة الإلهية من أنّ السنخية على فرض اعتبارها إنما هي في الفاعل الموجب لا في الفاعل المختار ، والأئمة الهداة ( عليهم السلام ) جعلوا إرادته تعالى عين فعله حتّى لا يلزم توهم هذه المحاذير . فاحتمال تطور الإنسان عن ذي حياة آخر فاسد كما عرفت ، هذا كله في فعل اللّه عزّ وجل . وأما فعل المخلوق أي سلسلة استكمال المفاض عليه ، يكون الأمر بالعكس فيتعلق الخلق بالداني أولا ثم يترقى إلى مرتبة الكمال لفرض أنه مستكمل بغيره مطلقا ، قال تعالى : ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ سورة المؤمنون ، الآية : 14 ] وللبحث تتميم يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى . ولكن ذكر بعض الفلاسفة الطبيعيين استنادا إلى قانون العلية في الأمور الطبيعية ، وأنّ كل حادث طبيعي لا بد أن يستند إلى سبب طبيعي كذلك ، وقد تفرع عن هذا القانون الأصل المنسوب إلى داروين القائل بالنشوء والارتقاء والتكامل وبقاء الأصلح ، فقد ذكر أن الإنسان لم يصل إلى هذه المرحلة الفعلية من الكمال إلّا بانتقاله من المراتب الدانية ، وأنّ في مسيره هذا قد رأى من التحولات والتبدلات الكثيرة التي نتج منها القضاء على الفرد