السيد عبد الأعلى السبزواري
196
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
بحث كلامي : أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء والرسل ( عليهم السلام ) من الكفر مطلقا ، ولكنهم اختلفوا في بعض الصغريات . وعمدة الأقوال ثلاثة : الأول : القول بالعصمة مطلقا من جميع الذنوب ، وفي جميع الحالات وهذا هو مذهب الإمامية . الثاني : القول بالعصمة من الكبائر مطلقا ، وأما الصغائر فإنها جائزة عليهم سهوا . وهذا هو مذهب المعتزلة . الثالث : القول بالعصمة عن الكبائر عمدا ، ولكنها جائزة عليهم سهوا ، وهذا هو مذهب الأشاعرة . وهناك أقوال أخرى نادرة أجمع المسلمون على بطلانها . ولم يستدل أصحاب هذين القولين بدليل يصح الاعتماد عليه إلّا ما ورد في القرآن الكريم مما يوهم ظاهره نسبة الظلم والمعصية إلى بعض الأنبياء ( عليهم السلام ) ، وسيأتي أنه ليس على ظاهره ولا بد من تأويله . والرأي المناسب لمقام النبوة والرسالة هو القول بعصمتهم مطلقا - كما ذهب اليه الإمامية - من جميع الذنوب كبائرها وصغائرها ، عمدا وسهوا قبل البعثة وبعدها . وقبل أن نذكر الأدلة لا بد من بيان معنى العصمة على سبيل الإيجاز ، والتفصيل موكول إلى محله . العصمة : بمعنى المنع والإمساك يقال : عصم عن الشيء أي منعه وأمسكه . ومنه قوله تعالى حكاية عن ابن نوح : سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [ سورة هود ، الآية : 43 ] أي : يمنعني منه . والمعصوم هو الممنوع عن فعل المعصية بلا إلجاء واضطرار حتّى ينافي الاختيار ، وإلّا كان العادل أحسن من المعصوم وبعبارة أخرى : إنها عناية خاصة ، وتوفيق من اللّه تعالى لبعض عباده ، لعلمه الأزلي بصفاء طينتهم وجوهرهم من دون أن يكون ذلك من العلة التامة كسائر عناياته وتوفيقاته عزّ وجل بالنسبة إلى عباده ، فقد يوفق عبدا لصلاة الليل مثلا ، أو فعل