السيد عبد الأعلى السبزواري
189
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
يأمر . أمر إبليس أن يسجد لآدم وشاء أن لا يسجد ؛ ونهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل منها ولو لم يشأ لم يأكل » . أقول : بيان مثل هذه الأخبار يحتاج إلى شيء من الشرح والتفصيل موكول إلى محله . المعروف بين العلماء أن الإرادة إنما هي الشوق المؤكد الحاصل بعد التصور والتصديق ، وهذا في إرادة المخلوق واضح لا ريب فيه ؛ وحيث إن هذا المعنى في الذات الأقدس الربوبي يستلزم كون الذات محل الحوادث وهو ممتنع ، ولذا جعل الأئمة الهداة ( عليهم السلام ) الإرادة بجميع مقدماتها من صفات الفعل لا الذات وصرحوا بأن المشية والإرادة محدثة ، وبذلك تنحل جميع الإشكالات الواردة على إرادته تعالى التي وقع الفلاسفة في اضطراب عظيم في الجواب عنها ، لأنهم ذهبوا إلى أن الإرادة في مرتبة ذاته الأقدس والاختلاف بين الصفات إنما يكون في المفهوم دون المصداق . ولعلنا نتعرض لمذهبهم والجواب عنه في الموضع المناسب . وعن جمع من أكابر المحققين إرجاع الإرادة فيه عزّ وجل إلى الرضاء ، وابتهاج الذات بالذات ، وفصل القول في ذلك ، وهذا القول وإن كان حسنا ثبوتا ، ولكن لا ربط له بالإرادة ، ويحتاج إلى تكلف وعناية . ثم إنّ الإرادة إما تكوينية أو تشريعية ، فإن تعلقت بفعل ذات المريد فهي تكوينية ، وإن تعلقت بفعل الغير وكانت كإيجاد الداعي لأن يفعل الغير ذلك الفعل بحيث لولا هذا الداعي لا يفعله تكون تشريعية . فتكون إرادته تعالى بالنسبة إلى النظام الأتم الأكمل من الأولى ، وبالنسبة إلى إنزال الكتب وإرسال الرسل من الثانية ، هذا بحسب الظاهر ، وأما بحسب الواقع والحقيقة فالثانية ترجع إلى الأولى ، فإن من أحسن النظام وأتمه وأكمله في عالم التكوين إنزال الكتب وإرسال الرسل . وأما قوله ( عليه السلام ) : « أمر اللّه ولم يشأ » فالمراد بالأمر الأمر التشريعي الظاهري ، والمراد بمشية العدم المشية التكوينية الاقتضائية كما أن المراد بنهي آدم ( عليه السلام ) النهي الإرشادي الظاهري والمراد بمشية الأكل المشية التكوينية الاقتضائية ، وفي كل ذلك مصالح لا تعد ولا تحصى .