السيد عبد الأعلى السبزواري

138

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

وأما نسبة الفعل إلى الفاعل فإنّ اللّه تعالى خلق الذات المختارة القادرة على السيئات مثلا مع نهيه تعالى وإظهار سخطه وتوعيده عليها وقد فعلها العبد بسوء اختياره ، فينسب إليه الفعل مباشرة كما أن منشأ النسبة إليه تعالى أنه خلق الذات القادرة المختارة مع إبلاغ النهي والتوعيد ، وقد علم بها وقضاها على نحو الاقتضاء لا قضاء الحتم ولا منقصة في هذا القسم من النسبة أبدا ، ولعل هذا أحد معاني قوله تعالى : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [ سورة النساء ، الآية : 78 ] . وبعبارة أخرى : إنّ في الحسنات والمباحات تتعدد جهة الانتساب اليه تعالى من الرضاء والقضاء ، والاذن والترغيب ، أو خلق الذات القادرة المختارة ، وفي السيئات منحصرة بخصوص الأخيرة والقضاء الاقتضائي مع النهي والتوعيد ، كل ذلك موافق لقانون العقل والعدل . ومن ذلك يعلم أن الهداية والضلالة ، بل السعادة والشقاوة ليستا من ذاتيات العبد بحيث لا اختيار له فيها ، ولا من لوازم الذات كلزوم الزوجية للأربعة وإلّا لما كانت قابلة للتغيير والتبديل ، ولبطل التكليف والثواب والعقاب ونحو ذلك من المحاذير ، بل هي من قبيل الأعراض الخارجية القابلة للزوال والتغيير والتي للاختيار فيها دخل مع توفيق وهداية منه تبارك وتعالى . ومما ذكرناه يجاب عن شبهات القوم ، ويرفع التعارض بين الآيات والروايات ، ولعلماء الإمامية في تفسير الأمر بين الأمرين وجوه أخرى فراجع ، وسيأتي في البحث الآتي مزيد بيان . بحث روائي : عن الباقر والصادق ( عليهما السّلام ) قالا : « إن اللّه أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثم يعذبهم عليها . واللّه أعزّ من أن يريد أمرا فلا يكون » . وسئلا ( عليهما السلام ) « هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة ؟ قالا : نعم أوسع مما بين السماء والأرض » .