السيد عبد الأعلى السبزواري
123
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
العالم غيب السماوات . وللغيب ، لأنه يدعو النّاس إلى الغيب . وفي الغيب ، لأن حقائقه غائبة عن الإدراكات وإن أحاطت بظواهرها عقولهم وسيأتي تفصيل ذلك في الآيات المناسبة أيضا إن شاء اللّه تعالى . إعجاز القرآن ببلاغته وفصاحته : قد ثبت أن العرب في عصر نزول القرآن ولا سيما في مهبط الوحي كانوا أفصح النّاس بحيث لا يدانيهم في ذلك قوم ولا يقربهم في هذه الخصلة رهط ، وكان ذلك من أهم مفاخرهم ، وأشرف مآثرهم وكانت محافلهم تعج بالخطباء والشعراء ، وتعقد الأسواق لذلك ، وقد ضبطت الكتب فروع كلماتهم ودقائق جملاتهم ومع ذلك لم ينقل إلينا إلّا شيء قليل ، وكل من تأمل في هذه اللغة ورأى فيها من الأسرار والدقائق وما عليها من الجمال والبهاء يعترف بالعجز والتحير ، وحينئذ لا بد وأن تكون هذه الصفة - أي صفة البلاغة والفصاحة - التي كانت شايعة في مهبط التنزيل أقصى هدف سيد الأنبياء ( صلّى اللّه عليه وآله ) في إعجاز ما ينزل من اللّه تعالى إذ لم يكن تحدي كل نبي إلّا بما تميز به قومه ، فنزل القرآن متحديا لهم ببلاغته وفصاحته وأمرهم بالإتيان بمثله أو بسورة من مثله فعجزوا عن ذلك واعترفوا بالقصور . وقد نقل أنهم لما سمعوا قوله تعالى : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ سورة هود ، الآية : 44 ] أخذتهم الدهشة والتحير وأمروا بإنزال ما علق على الكعبة المشرفة من القصايد والأشعار . وربما يقال : إنّ البلاغة والفصاحة كالجمال والملاحة من الغرائز الطبيعية فهي خارجة في الجملة عن الاختيار فلا وجه للتحدي بما هو خارج عنه . ولكنه فاسد أولا : بأنه يصح التحدي بالنسبة إلى من كانت الفصاحة والبلاغة من غريزته ، ومع ذلك إذا اعترف بالعجز كان بالنسبة إلى المطلوب أتم وأعظم . وثانيا : إنّها وإن كانت من الغرائز في الجملة ولكن للاختيار في أصلها وسائر جهاتها دخل بالوجدان كما هو واضح لا يحتاج إلى البيان .