السيد عبد الأعلى السبزواري
118
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
شايع في المحاورات والمخاصمات العرفية من قديم الأعصار خصوصا في الجاهلية ، وتشهد لذلك معلقاتهم على باب الكعبة فإنها كانت للتحدي لإظهار ما يفتخرون به في الفصاحة والبلاغة فجاء القرآن وأبطل ذلك وأتم الحجة عليهم بما كان شايعا لديهم . فمعنى التحدي دعوة الخصم إلى الإتيان بما أتى به المدعي وبعد ثبوت عجزه باعترافه ثبتت دعوى المدعي لا محالة . فما نسب إلى بعض من أن اللّه تعالى أعجزهم عن ذلك وصرفهم عن التأمل حوله . مردود : بما عرفت سابقا ولا ريب في عجز ما سواه تعالى عن الإتيان بالقرآن وإنما جيء بالجمل الشرطية لإظهار العجز والتوبيخ وإتمام الحجة وغير ذلك من الدواعي . إعجاز القرآن : وجوه إعجاز القرآن كثيرة ومتعددة بل هو من جميع الجهات لأن قوله تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ سورة الإسراء ، الآية : 88 ] خطاب عام لجميع أفراد الإنس والجن بما فيهم من العلماء وأرباب علوم شتى وفنون كثيرة فلا بد وان يعم الجميع بما هم كاملون ومخترعون فيه . وبعبارة أخرى : أن دعوة المبارزة والتحدي بالإتيان بالمثل دعوة إلى العقل الإمكاني من حيث هو كذلك وقد ثبت عجزه عن الإتيان بمثله . وأما الإشكال بأنه لا وجه للتحدي بهذا التعميم ، ثم لا وجه للتحدي من كل شيء . فهو مردود : بأن في القرآن آيات كثيرة دالة على كماله من جميع الجهات قال تعالى : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [ سورة النحل ، الآية : 89 ] ، وقال تعالى : لا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ سورة الأنعام ، الآية : 59 ] ، ثم قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [ سورة سبأ ، الآية : 28 ] فلا بد وأن يكون التحدي عاما من جميع الجهات ومن كل جهة يشمل المتحدى به على الدعوة من تلك الجهة وإلّا لما تمت الحجة كما هو معلوم ، فكل شيء فيه جهة حسن وكمال للفرد أو المجتمع في الدنيا أو النشآت الأخرى يكون القرآن معجزة فيه من حيث بيانه والاستكمال