محمد باقر الملكي الميانجي
77
مناهج البيان في تفسير القرآن
فالقرآن الكريم هو القسم الثالث من تكليمه تعالى على ما فصّلناه مستقصى في تفسير الآية الأولى . وخلاصة القول أنّ إرسال رسول من رسل السّماء إلى من يشاء من أوليائه وإرسال الوحي بوساطة رسل السّماء ، هو كلامه تعالى وتكليمه أولياءه . في نور الثقلين 4 / 588 عن التوحيد مسندا عن عليّ - عليه السّلام - قال : . . . . وكلام اللّه ليس بنحو واحد . منه ما كلّم اللّه به الرسل . ومنه ما قذفه في قلوبهم . ومنه الرؤيا يراها الرسل . ومنه وحي وتنزيل يتلى ويقرأ . فهو كلام اللّه ؛ فاكتف بما وصفت لك - الحديث . فالقرآن عند أوّل ما أنشأه تعالى وأوجده وأنزله على رسوله - صلّى اللّه عليه وآله - بوساطة ملك الوحي ، إنّما أنشأه وأوجده ألفاظا وحروفا يقرأ ويتلى ؛ بخلاف كلام البشر . فإنّ كلام البشر ليس إلّا قوله . قال تعالى : « إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ . لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ . تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » . ( الواقعة / 77 - 80 ) بيان : الآيات الكريمة مسوقة لبيان شيء من شؤون القرآن الكريم وفخامة أمره . وفيها تعريض وإشعار لإبطال مقالة المرتابين لأمر التوحيد وما يشتمل عليه القرآن من المعارف . قوله تعالى : « إِنَّهُ لَقُرْآنٌ » . الظّاهر أنّ الضمير راجع إلى القرآن المقروّ والمتلوّ . وفي الإتيان بإنّ المشدّدة ولام التأكيد في خبرها ، عناية بالغة منه - سبحانه - لبيان مكانة القرآن منه تعالى وجلالته وكرامته عنده - سبحانه . قوله تعالى : « فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ » وصف ثان للقرآن المقروّ والمتلوّ . والظّاهر بمعونة قرائن أخرى ، أنّ الكتاب المكنون صحيفة نوريّة ؛ أي : علم حقيقيّ من خلقه - جلّ ثناؤه . ومعنى كون المتلوّ الّذي هو الحروف والألفاظ في الكتاب المكنون ، أي كونه معلوما بهذا العلم الإلهيّ الّذي يحمله أولياؤه المقرّبون . فمن كان حاملا لهذا العلم وواجدا إيّاه ، يعلم القرآن بجميع خصوصيّاته . وليس المراد من كون القرآن فيه ، أنّه موجود في الكتاب بالوجود العينيّ