محمد باقر الملكي الميانجي

38

مناهج البيان في تفسير القرآن

الظّاهر أنّ ذلك إشارة إلى يوم الفصل والقضاء - أي : ميقات الصّالحين والظّالمين - وإلى اليوم الّذي ينفخ في الصّور فيأتون أفواجا ويساقون إلى العرض الأكبر على اللّه ، وإلى اليوم الّذي يقوم فيه الروح والملائكة والصدّيقون والشّافعون . والمعنى : إنّ ذلك اليوم هو الحقّ الّذي لا شكّ فيه . فيراه كلّ مبطل ومحقّ حين يرفع الحجاب ويكشف عنه الغطاء . أو يقال : إنّه حقّ لا باطل فيه ؛ أي : يظهر فيه الحقّ بأتمّ ظهوراته وبروزاته ، وقد صارت الحقائق والمعارف ضروريّة ، ولا يتمكّن المعاندون من التّرديد والارتياب فيه . وتوصيف هذا اليوم بأنّه الحقّ ، بعناية كونه ظرفا لظهور الحقّ فيه . قوله تعالى : « فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً ( 39 ) » . الظّاهر أنّه تفريع ممّا تقدّم من شؤون يوم القيامة وأهمّيّة ذلك الموقف العظيم ، وإرشاد وبلاغ للإعداد والجهاز لنيل كراماته تعالى والفوز بمواهبه - سبحانه . والظّاهر أنّ الجارّ متعلّق بقوله : « مَآباً » . والمآب بمعنى : الرجوع ؛ من آب يؤوب . فهو إمّا مصدر ميميّ بمعنى الرجوع ، أو اسم مكان . أي : يتّخذ رجوعا ومرجعا إلى ربّه . ومعنى قوله : « إِلى رَبِّهِ » مثل قوله : « إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي » ( الصّافات / 99 ) وأمثالها من الآيات . والمعنى : يتّخذ رجوعا أو مرجعا إلى مرضاته تعالى وحنانه . قوله تعالى : « إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً » . فيه وجهان : أحدهما أن تكون هذه الآية خاتمة وتلخيصا لما تقدّم من الآيات المسوقة لإنذار المجرمين والكافرين . وثانيهما أن يكون ما به الإنذار والتخويف هي الآية التّالية ؛ أي قوله تعالى : « يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ » . والظّاهر هو الأوّل . لأنّ الثاني متوقّف على أن يكون المراد من المرء هو الكافر فقط ، على ما نشير إليه - إن شاء اللّه .