محمد باقر الملكي الميانجي

49

مناهج البيان في تفسير القرآن

بعضا على ما ارتكبوه . وهذه سنّة الجهّال ؛ إذا ارتكبوا جناية ، يبرّئ كلّ واحد منهم نفسه ويتّهم الآخر . قوله تعالى : « قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ ( 31 ) » . بيان : الويل كلمة هلاك وخزي . فما وقع في كتابه تعالى من الويل - مثل قوله تعالى : « وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ » ( المرسلات / 15 ) وقوله تعالى : « وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ » ( الجاثية / 7 ) - إنّه عين حكمه تعالى وقضائه الحكيم على هلاك من دعا عليه . فإنّ دعاءه تعالى على هلاك أحد ليس كدعاء مخلوق على مخلوق ، كي ينتظر إجابة دعائه ؛ بل هو عين صدور الحكم على الهلاك من دون انتظار شيء آخر . وأمّا الدعاء من أحد المخلوقين على هلاك أحد ، فليس بهذه المثابة . فالويل في الآية الكريمة المبحوثة عنها من هذا القبيل . بل يمكن أن يقال : إنّ هذا ليس على سبيل الجدّ على هلاك أنفسهم ، بل لإظهار التفجّع والأسف . فإنّ الإنسان بحسب الغالب يدعو على هلاك نفسه . قوله تعالى : « طاغِينَ » ؛ أي : كّنا متجاوزين عن الحدّ وارتكبنا أمرا عظيما . قوله تعالى : « عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ ( 32 ) » . ظاهر الآية أنّهم تابوا إلى اللّه وادّعوا أنّهم راغبون إليه - سبحانه - يتوقّعون برّه وإحسانه وأن يبدّل لهم مكان نقمته عليهم رحمة لهم . إلّا أنّ الآية التالية تنافي صدقهم في ذلك . قوله تعالى : « كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 33 ) » . بيان : الكاف للتشبيه . و « ذلك » إشارة إلى قصّة أصحاب الجنّة وما ينزل عليهم من العذاب . والمشبّه به هو قصّة أصحاب الجنّة . والمشبّه غيره من العقوبات النازلة على الأمم الطّاغية العاتية . والوجه في كون عذاب الآخرة أشدّ وأكبر من عذاب الدّنيا : انّ عذاب الآخرة إنّما هو بعد المحاكمة العادلة والحكم الصادر بعد المحاكمة ؛ بخلاف