محمد باقر الملكي الميانجي
38
مناهج البيان في تفسير القرآن
من حيث ثبوته وتحقّقه . وللقسم أحكام شرعيّة على المكلّفين ؛ من الكراهة والحرمة والوجوب ، ومن وجوب الكفّارة وعدمه في بعض الموارد . وأمّا بالنسبة إليه تعالى ، ليس إلّا لتأكيد مورد القسم من حيث تحقّقه وثبوته . فليس هو - سبحانه - محكوما بشيء من الأحكام الشرعيّة . فاللّه - سبحانه - قد أقسم في الآيات المذكورة بخلقه ، وأقسم بنفسه القدّوس أيضا . قال تعالى : « وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا . أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً . فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا » . ( مريم / 66 - 68 ) « وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ . فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ » . ( الذاريات / 22 و 23 ) قوله تعالى : و « ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ( 2 ) » . بيان : الباء في قوله تعالى « بِنِعْمَةِ » للسّببيّة . والوجه في ذلك أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - قد كان واجدا لمرتبة كريمة عظيمة من أنواع العلم ، وهي النبوّة ؛ أي كان يأخذ الأنباء من اللّه - سبحانه - من غير وساطة الملك ، والرّسالة ؛ وهي أخذ الحقائق من اللّه - سبحانه - بواسطة الملك الأمين المكين المقرّب عند اللّه . وكلا الأمرين علم واطّلاع على الغيوب خارج عن سنّة العادة والأسباب والعلل . ثمّ أكرمه تعالى وأيّده بروح القدس ؛ وهو علم وسيع حقيقيّ مصون ومعصوم بذاته ، يؤيّده به - سبحانه - ويفيضه على رسوله قبل مرتبة النبوّة والرسالة ، أو مقارنا إيّاهما . فبهذا العلم الحقيقيّ المصون المعصوم يأخذ الرسالة والنبوّة . وبه يتحمّلها . وبه يحفظها . وبه يبلّغها ويعلّمها . وبه يعرف شخص الملك الّذي يؤدّي إليه الرّسالة ، فيكون على حجّة بيّنة من معرفة الملك ومن معرفة الرسالة والنبوّة ، فيبلّغها ويعلّمها عن حجّة معصومة بذاتها . وبهذا العلم يتمّ عليه الحجّة في نبوّته ورسالته . وسيجيء إشباع البحث في ذلك في ذيل سورة النبأ - إن شاء اللّه . في البحار 25 / 57 ، عن بصائر الدرجات ، عن الحسين بن محمّد مسندا ، عن المفضّل بن عمر قال : قلت لأبي عبد اللّه - عليه السّلام - سألته عن علم الإمام